بينما يفر الجميع نحو الشواطئ والمكيفات هرباً من لظى الشمس، يشهد العالم والمنطقة العربية تحولاً صامتاً يعيد رسم ملامح سوق العمل، لم تعد موجات الحر القياسية، التي تجاوزت حاجز 45 درجة مئوية في مصر وبعض العواصم العربية، مجرد أرقام في نشرات الطقس، بل تحولت إلى محرك اقتصادي يلتهم مهناً تقليدية استمرت لعقود، ويضخ دماءً جديدة في عروق وظائف لم تكن تخطرعلى بال أجدادنا.
بين شمس حارقة وظل مفقود، يدفعنا "الصيف الملتهب" إلى إعادة التفكير في طريقة كسب عيشنا، حيث فرض الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة تراجعاً حاداً لبعض المهن الميدانية، لتسجل انكماشاً وتراجعاً في الإيرادات يقدر بنحو 40% إلى 55% نتيجة تقلص ساعات العمل المتاحة تحت الشمس.
"عم محمد" (54 عاماً)، أحد أقدم باعة العرقسوس المتجولين في أحياء القاهرة القديمة، والذي تحدث بنبرة تحمل الأسى: «لم يعد جسدي يحتمل السير حاملاً إناء النحاس الثقيل تحت شمس الظهر الحارقة، فالشوارع تخلو من المارة في ذروة القيظ، والجميع بات يفضل طلب المشروبات الباردة عبر الهاتف والمحلات المكيفة».
واضاف عم محمد قائلا: «مهنتنا التي ورثناها أباً عن جد تختفي تدريجياً، وأفكر جلياً في البحث عن مهنة أخرى مستقرة داخل الجدران».
وإلى جانب باعة المشروبات التقليدية، تشهد مهن أخرى مثل "موزعي الصحف الورقية" و"عمال البناء النهاري التقليدي" تراجعاً كبيراً، حيث اضطرت شركات المقاولات إلى تحويل 70% من طاقتها التشغيلية للورديات الليلية لحماية العمال من ضربات الشمس القاتلة.
وعلى الجانب الآخر، تحول القيظ الحار إلى منجم ذهب لقطاعات استطاعت تلبية رغبة البشر الشديدة في الهروب من الحرارة، وتشير تقديرات السوق إلى أن قطاع صيانة التبريد وصناعة الثلج سجل قفزة نمو قياسية تتراوح بين 150% إلى 200% مقارنة بالسنوات الخمس الماضية.
ويقول المهندس أحمد، صاحب شركة لخدمات التكييف والتبريد: «تلقينا هذا الموسم حجم طلبات صيانة وتركيب غير مسبوق، هواتفنا لا تتوقف عن الرنين على مدار 24 ساعة، فالأجهزة القديمة لم تعد تتحمل درجات الحرارة القياسية وتتعطل بكثرة، مما جعل فني التبريد بمثابة 'طبيب طوارئ' يستعين به الجميع لإنقاذ منازلهم وأعمالهم من الاختناق الحراري».
كما انتعشت ايضا سلاسل الإمداد المبردة لنقل الأغذية والأدوية بنسبة نمو بلغت 80%، تزامناً مع قفزة هائلة في قطاع التوصيل المنزلي (الدليفري) الذي تضاعفت أرباحه اليومية نتيجة مكوث المواطنين خلف الجدران المكيفة.
لم يتوقف الأمر عند انتعاش مهن قديمة، بل استحدث الطقس المتطرف تخصصات مبتكرة بالكامل فرضتها الحاجة الملحة للتكيف، مثل "مراقب الإجهاد الحراري" ومهمته الأساسية هي حماية الأرواح في مواقع العمل المفتوحة، من خلال رصد مؤشر الحرارة والرطوبة ساعة بساعة، وبناءً عليه يتم أصدر أوامر إلزامية بوقف العمل فوراً، وتوزيع السوائل والأملاح التعويضية، وتحديد فترات الراحة في الظل.
فالشركات أصبحت تدرك أن الحفاظ على سلامة العامل من الحرارة هو الضمان الوحيد لاستمرار الإنتاج وعدم توقف المشاريع، وإلى جانب مراقبي الإجهاد، ظهر بقوة تخصص "مستشاري العزل الحراري للمباني" و"تقنيي الزراعة المحمية الذكية"، لمواجهة جفاف التربة وتأمين الغذاء، وبالتالى فإن هذا الانقلاب المناخي في سوق العمل يبعث برسالة واضحة لكل باحث عن فرصة عمل أو استثمار.




