تحولت مشادة كلامية بسيطة بين أطفال جيران في صعيد مصر إلى مأساة دموية هزت الرأي العام. ولم يكن أطراف المعركة هذه المرة من الرجال، بل قادتها أربع سيدات تبادلن إطلاق النار بالأسلحة الآلية، مما أسفر عن سقوط قتيلتين وتحويل الهدوء الريفي إلى ساحة حرب.
استيقظ أهالي قرية "نجع عزوز" التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا على دوي أعيرة نارية كثيفة. بدأت الواقعة كمشاحنة معتادة بين عائلتين متجاورتين بسبب لهو الأطفال، إلا أن الخلافات القديمة المترسبة أشعلت فتيل الأزمة سريعاً. تطور الأمر بشكل غير مسبوق عندما جلبت السيدات بنادق آلية "كلاشينكوف" من منازلهن وبدأن في إطلاق النار المتبادل.
يرى خبراء علم الاجتماع أن هذه الحادثة الصادمة ليست مجرد شجار عابر، بل تعكس تحولات عميقة واجهتها البيئة المجتمعية في بعض مناطق ريف الصعيد، ويرجع هذا العنف إلى عدة أسبابن وأهمها سهولة الوصول إلى السلاح غير المرخص، حيث يمثل انتشار الأسلحة النارية داخل المنازل كجزء من ثقافة الحماية أو التفاخر خطراً داهماً، وخاصة عندما يصبح السلاح في متناول النساء بغياب الرجال.
غياب الرجال بسبب الهجرة والعمل، فإضطرارالكثير من رجال القرى للسفر والعمل خارج المحافظة أو خارج البلاد، يضع عبء إدارة الأزمات اليومية وحماية المنازل بالكامل على عاتق النساء، واللواتي يجدن أنفسهن مضطرات لاستخدام أدوات القوة ذاتها.
كما أن انتشار ثقافة الثأر المترسبة والضغط النفسي، حيث تتشرب النساء في بعض هذه المناطق العادات والتقاليد الصارمة المرتبطة بالثأر وصون الكرامة العائلية، مما يجعلهن يتبنين سلوكيات عنيفة تتجاوز الحلول السلمية أو اللجوء للقانون عند تصاعد الخلافات المشتركة.
على الرغم من غرابة الحادثة واقتصارها بالكامل على النساء دون تدخل الرجال، إلا أن التاريخ المصري يسجل محطات شهيرة برز فيها عنف نسائي قاد إلى وفيات،ومنها عصابة ريا وسكينة، فى عشرينيات القرن الماضي، وتُعد القضية الجنائية الأشهر في تاريخ مصر.
أيضا مشاجرات عائلات بحري والصعيد التقليدية، فقد شهدت السجلات الجنائية على مر العقود معارك ريفية بالأسلحة البيضاء والعصي بين جارات (خناقات نسائية حول الطيور، مساقي المياه، أو الغسيل) أسفر بعضها عن السقوط الخطأ لضحايا نتيجة الضرب المفضي إلى الموت، لكنها لم تصل تاريخياً إلى حد استخدام الرشاشات الثقيلة بشكل مباشر ومنفرد كما حدث في واقعة قنا الأخيرة.
تاريخ السينما والدراما المصرية حافل بالمشاهد التي جسدت عنف وخناقات السيدات، حيث تنوعت هذه المشاهد بين الكوميديا الساخرة، والواقعية الصادمة، والدراما الشعبية وأشهرها فيلم "خالتي فرنسا" (عبلة كامل ومنى زكي)، ويُعد هذا الفيلم بأكمله مرجعاً سينمائياً لخناقات السيدات الشعبية، وأيضا فيلم "البيضة والحجر" وفيلم "المشبوة" لسعاد حسني.
أما مسلسل "سجن النسا" (نيللي كريم وروبي)، قدم محاكاة واقعية وقاسية لعنف السيدات داخل السجون، ثم تأتى المعارك النسائية الصعيدية التقليدية مثل مسلسل "الضوء الشارد" ومسلسل "الليل وآخره" ، ثم خناقات الكوميديا الساخرة مثل فيلم "بوحة" ومشهد المشاجرة الكوميدية لـ "كفتة" (مي عز الدين) في المسمط وهي تلوح بالساطور.
أما خناقات سيدات الطبقة الأرستقراطية وأولاد الزوات فتتميز بطابع خاصن فالمعارك بينهن لا تُدار بالأسلحة التقليدية، بل بـ الكلمات المبطنة، النفوذ السياسي، الفضائح المجتمعية، وسلاح المقاطعة والنبذ الطبقي، وإن كانت بعضها قد خرج عن السيطرة ووصل إلى المحاكم أو التشابك بالأيدي، ومن أشهر تلك الخناقات:
حرب الهوانم في جمعية "المبرة" الخيرية، فقد شهدت أروقة هذه الجمعية الشهيرة (التي كانت تديرها أميرات الأسرة العلوية وسيدات المجتمع المخملي في النصف الأول من القرن العشرين) معارك شرسة خلف الكواليس، وكانت الخناقات تنشب حول من تحظى برئاسة اللجان أو التقاط الصور بجانب الملكات. تطور الخلاف ذات مرة بين أميرة وصيفة وزوجة رئيس وزراء إلى "ردح أرستقراطي بالفرنسية"، وانتهى بانسحاب نصف سيدات المجتمع من الحفل الخيري وإعلان المقاطعة التامة.
ايضا معركة هوانم "نادي الجزيرة" الشهيرة، ففي الأربعينيات، نشبت مشاجرة عنيفة داخل كافتيريا النادي الأرستقراطي بين زوجة سياسي وفدي بارز وسيدة مجتمع معروفة بولائها للقصر، بدأت المشادة بنظرات متعالية وهمسات ساخرة حول فستان إحداهما، وتطورت سريعاً إلى سحب الكراسي وقذف أكواب العصير وسط ذهول الحاضرين، وتم التكتم على الحادثة وتدخل حكماء العائلات لمنع وصولها للصحف.
أيضا كانت الصراعات النسائية تُدار عبر صالونات الثقافة والسياسة، حيث نشبت خناقات فكرية وتنظيمية حادة بين هدى شعراوي وبعض سيدات الطبقة العليا الانشقاقيات حول "أحقية قيادة الحركة النسائية"، كانت الأسلحة المستخدمة هي الاستبعاد من الحفلات الرسمية، وكتابة مقالات هجومية لاذعة في الصحف تضرب في "النسب والأصل الطبقي".
أما أشهر خناقات سيدات الطبقة الأرستقراطية في السينما والدراما فقد برع المخرجون وكتاب السيناريو في تجسيد "كيد الهوانم" وعنفهن اللفظي والطبقي ببراعة شديدة مثل مسلسل "هوانم جاردن سيتي" (هدى سلطان، صفية العمري، ليلى علوي): هذا المسلسل هو الموسوعة الأهم لخناقات سيدات المجتمع المخملي. المعارك هناك كانت تُدار بالهمس والابتسامات الصفراء والمؤامرات لتدمير الزيجات،
مسلسل "جراند أوتيل" (أنوشكا وسوسن بدر)، حيث قدم المسلسل واحدة من أعنف خناقات سيدات الزوات غير المباشرة. المواجهة الشرسة والمستمرة بين "قسمت هانم" (أنوشكا) الطاووس الأرستقراطي، و"الست سكينة" (سوسن بدر)، وأيضا مسلسل "حديث الصباح والمساء" (ليلى علوي وسلوى خطاب)، فقد جسد المسلسل الصراع الطبقي النسائي.
ولكن تظل واقعة دشنا جرس إنذار مجتمعي يستوجب مراجعة آليات ضبط السلاح غير المرخص، وتفعيل دور المجالس العرفية والمؤسسات التوعوية للحد من العنف الأسري النسائي.




