أخر الأخبار

من العبقرية إلى الجنون ..

علاقة ابن الهيثم بسد أسوان وباليوم العالمي للهندسة المعمارية

صورة تعبيريه لأبن الهيثم
صورة تعبيريه لأبن الهيثم

يتزامن الأول من يوليو (أو أكتوبر وفق بعض تصنيفات الاتحاد الدولي للمعماريين) مع اليوم العالمي للهندسة المعمارية، وهو التاريخ ذاته الذي تضعه الكثير من السير التأريخية كرمزية ليوم ميلاد العالم العربي الموسوعي أبو علي الحسن بن الهيثم.

 هذا التزامن مجرد ليس مصادفة زمنية، بل هو جسر فكري يربط بين علم البصريات وفن صياغة الفراغ، فالمعمار ليس سوى تلاعب متقن بالضوء والظل والمكان، وهي الثالوث الذي أمضى ابن الهيثم حياته في فك شفراته الرياضية والفيزيائية.

ولد ابن الهيثم عام 965 ميلادياً في مدينة البصرة بالعراق، ونشأ في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وتلقى علومه الأولى في بغداد والبصرة، وبسبب نبوغه الاستثنائي في الرياضيات والفيزياء والفلك، عُرف بقدرته على تطبيق المعارف النظرية في حلول عملية وميدانية.

شهرة ابن الهيثم وصلت إلى مصر الفاطمية، لتتغير مسيرة حياته بالكامل بعد أن أطلق مقولته الشهيرة: "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملاً يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقصان، واستدعاه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله إلى القاهرة فور سماعه بتلك الفكرة الجريئة.

 قاد ابن الهيثم بعثة هندسية ميدانية إلى جنوب مصر (منطقة أسوان الحالية) لمعاينة مجرى نهر النيل هندسياً ومساحياً، وضع هناك المخطط الأول لبناء سد مائي تنظيمي، وهو نفس الموقع الجغرافي الذي أقيم عليه السد العالي في العصر الحديث.

ورغم صحة فكرته من الناحية النظرية، إلا أن ابن الهيثم واجه عقبة "حدود التكنولوجيا" في القرن الحادي عشر، حيث لم تتوفر الأدوات والآلات الهندسية والمواد القادرة على تحمل ضغط التدفق الهائل للمياه في تلك المنطقة المليئة بالجنادل الصخرية، مما جعله يعلن للخليفة استحالة تنفيذ المشروع بآليات ذلك العصر المعمارية.

وضع هذا التراجع ابن الهيثم في مأزق حرج وخوف حقيقي من بطش الخليفة الحاكم بأمر الله المعروف بتقلباته، ولم يجد وسيلة للهروب من العقاب سوى ادعاء الجنون، وانطلت الحيلة على الخليفة، ففرض عليه الإقامة الجبرية في منزله بالقاهرة وصادر ممتلكاته، فأصبحت هذه الإقامة الجبرية، التي امتدت لقرابة عشر سنوات حتى وفاة الخليفة عام 1021 م، نافذة النور الأهم في تاريخ العلم الحديث، حيث تفرغ ابن الهيثم داخل غرفته المظلمة لتأليف كتابه الثوري المناظر"

نجح ابن الهيثم في تحويل محنته إلى منحة، حيث أسس علم البصريات الحديث وأثبت أن الضوء ينعكس من الأجسام إلى العين، وامتدت مشاريعه الفكرية لتحدث ثورة غير مباشرة في الهندسة المعمارية عبر مسارين:تأسيس علم المنظور (Perspective)، وتُرجمت كتبه إلى اللاتينية، ليعتمد عليها معماريو وفنانو عصر النهضة الأوروبية في رسم المباني والواجهات بأبعاد ثلاثية واقعية لأول مرة.

و في أطروحته "مقالة في المكان"، صاغ المفهوم الهندسي للفراغ الداخلي، مما ساعد البنائين في تصميم النوافذ، والقباب، والمشربيات بطرق هندسية تسمح بنفاذ الضوء وتوزيعه بجمالية فائقة داخل المباني.

توفي ابن الهيثم في القاهرة عام 1040 م، تاركاً خلفه منهجاً تجريبياً غيّر وجه الفيزياء والعمارة، ليظل يوم ميلاده تذكيراً سنوياً بأن جدران المباني لا تكتمل قيمتها إلا بالضوء الذي ينيرها.

 

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا