لم تكن تدري الطفلة "ملك" ذات الأعوام التسعة وهي تلهو بمحيط حقول قريتها "كفر حسين الطوبجي" بالشرقية، أن عيوناً زجاجية باردة كانت ترقب أنفاسها الغضة من بين شقوق الأرض الجافة، ثوانٍ معدودة، وبخروج خاطف لجسد أسود لامع يفرد رقبته كشراع الموت، غرزت الكوبرا المصرية أنيابها في جسد الصغيرة لتسلب الروح قبل أن تجد غوثاً.
لم تكن ملك الأولى، ولن تكون الأخيرة في صيفٍ لاهب تحولت فيه المجاري المائية وأكوام الحطب بريف مصر والدلتا خصوصا إلى خطوط مواجهة مباشرة بين الفلاحين وأعنف الكائنات على وجه الأرض، فقد شهد مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية مأساة حقيقية بتسجيل 3 وفيات خلال أقل من 10 أيام (سيدة، وطفل في العاشرة بقرية القراقرة، والطفلة ملك بقرية كفر حسين).
تضم عائلة الكوبرا عشرات الأنواع، لكن "الكوبرا الملك" (King Cobra) تتربع على عرش الأطول عالمياً، بينما تظل الكوبرا المصرية (Naja haje) الأشد فتكاً محلياً، وتكمن شراسة هذه الأفاعي في "السموم العصبية" (Neurotoxins) التي تحقنها، حيث يهاجم السم الجهاز العصبي للضحية مباشرة، مسبباً شللاً سريعاً في عضلات التنفس والقلب، مما يؤدي للوفاة خلال دقائق إن لم يُحقن المصل، السر في "شراستها" ليس رغبة في الافتراس، بل آلية دفاعية مستميتة، فالكوبرا تخاف البشر، وحين تفاجئها الأقدام أو تُحاصر، تفرد قلنسوتها وتهاجم بدافع حماية نفسها.
ويعود هذا الظهور المكثف والانتشار في ريف الشرقية إلى عدة محفزات بيئية:الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة، ومع ذروة حرارة الصيف الحالية، تخرج الأفاعي قسراً من جحور الطين العميقة بحثاً عن الرطوبة والمياه.
وتراكم المخلفات الزراعية، والتى تتمثل فى أكوام القش، التبن، والحطب المتروكة بجوار المنازل بيئة مثالية لاختبائها وتفريخ بيضها، وتجذب هذه المخلفات القوارض، وهي الوجبة المفضلة للكوبرا، كما أدى الصيد الجائر وتسميم "النمس المصري" (المفترس الطبيعي للكوبرا) من قبل المزارعين إلى تكاثرها بلا رادع حيوي.
حصدت الكوبرا بالشرقية 3 أرواح بشرية ونفوق مواشٍ خلال الأسابيع الأخيرة، مما استدعى استنفارالطب البيطري وصيادي الأفاعي المتطوعين، وتصنف منظمة الصحة العالمية لدغات الثعابين كأحد أخطر الأمراض المدارية المهملة.
تتسبب الأفاعي في وفاة ما بين 81,000 إلى 138,000 شخص سنوياً، وإعاقة نحو 400,000 آخرين، وتأتي الهند في صدارة الترتيب العالمي بـ 51,000 وفاة سنوياً، تليها دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (مثل نيجيريا).
تتميزالأفاعي بحاسة شم قوية تعتمد على لسانها، وتفر هاربة إذا استشعرت روائح خانقة أو طاردة، ومن أبرزها:الشيح البلدي والأعشاب النفاذة، وزراعة أو نشر نبات الشيح واللافندر يطرد الزواحف تماماً، ومسح حواف البيوت بالقطران الأسود أو الكيروسين يمنعها من الاقتراب، أستعمال الأمونيا والخل المركز، حيث أن الروائح الحامضية القوية تؤذي مجاريها التنفسية وتجبرها على الهرب، كما يجب تطهير المخابئ، وإزالة القوارض وأكوام التبن وقطع الحشائش الجافة يحرمها من الأمان والغذاء، فتهجر المكان فوراً.
وللوقاية أثناء العمل بالحقول، يجب ارتداء أحذية واقية طويلة، وتجنب السير حفاة، والامتناع تماماً عن محاولة قتل الكوبرا عشوائياً بدون صياد محترف، وفي حال حدوث لدغة، القاعدة الذهبية هي الهدوء التام لتأخير انتشار السم، وعدم شق الجرح أو مصه بالفم، والتوجه الفوري لأقرب مستشفى مركزي للحصول على المصل المضاد.




