لماذا يتصرف البعض وكأن رزقك مسروق من نصيبهم؟
هل تملك حقاً ما تملك، أم أنك مجرد "حارس مؤقت" لما يراه الآخرون فائضاً عن حاجتك ويطالبونك ضمناً بالاعتذار عنه؟ إن الجرح الذي يتركه الحسد قد يشفى، لأن الحاسد يتمنى زوال نعمتك لتصير إليه، لكن "الاستكثار" هو طعنة في الروح أشد فتكاً؛ هو أن يقرر من حولك أنك "أخذت أكثر مما تستحق"، وأن نصيبك من السعادة، أو المال، أو حتى الهدوء، قد تجاوز الحد المسموح به في "كتالوج" حرمانهم الخاص، فتتحول نجاحاتك في أعينهم إلى خطايا تستوجب التبرير، وتصبح ابتسامتك عبئاً ثقيلاً على صدورهم الضيقة.
إننا نعيش في مجتمع يمارس "الشرطة الوجدانية"، حيث يراقب الناس عداد النعم في حياتك بدقة تفوق مراقبتهم لثقوب جيوبهم، فتسمع جمل العتاب المغلفة بالمزاح مثل "يا بختك، أنت مبيخلصش عندك الخير؟" أو "منين بيجي لك كل ده؟" أو تلك النظرة الصامتة التي تقول "كفاك، لقد أخذت حصتنا وحصتك". هذا الاستكثار ليس مجرد شعور عابر، بل هو فلسفة "النقص المقيم" التي ترى أن الكون وليمة محدودة، وأن أي لقمة تبتلعها أنت هي بالضرورة مسروقة من أفواههم، حتى لو كنت قد شققت الصخر لتنالها، فيحولون إنجازك من مصدر فخر إلى تهمة "جشع قدري" تلاحقك في كل مجلس.
المأساة الحقيقية تكمن في أن هذا الاستكثار يجبرك، دون وعي، على ممارسة "التقشف الاختياري" أو إخفاء الفرح، فتجد نفسك تخفض صوت ضحكتك حتى لا تستفز بؤسهم، وتبالغ في الشكوى لتظهر بمظهر "المبتلى" الذي يرضيهم، خوفاً من ذلك الحكم الجائر الذي يصنفك "مستوراً زيادة عن اللزوم". لقد تحول الاستكثار إلى ميزان اجتماعي معطوب، لا يزن القيمة بل يزن "الحق في الوجود"، فيبخلون عليك بالكلمة الطيبة لأنهم يرون أن نعمك هي "رد جميل" كافٍ من الحياة، متناسين أن القلوب التي تستكثر النعمة على غيرها هي قلوب أعلنت إفلاسها الروحي قبل أن تعلن عدائها للآخرين.
حان الوقت لتدرك أن "موازينهم" ليست قدرك، وأن ضيق أفقهم لا يحدد سعة رزقك أو استحقاقك؛ فالمشكلة لم تكن يوماً فيما تملك، بل في الثقب الذي يسكن أرواحهم ويمنعهم من رؤية فضل الله واسعاً لا يضيق بزحام الناجحين. فهل ستظل تعتذر عن ضياء شمسك لمجرد أنهم يصرون على العيش في الأقبية، أم ستدرك أخيراً أن استكثارهم لنعمتك هو اعتراف صريح بفقر خيالهم وقهر نفوسهم، وأنك لست مطالباً بترميم نقصهم من رصيد سعادتك؟
.................
كاتب المقال دكتور وباحث اكاديمى




