طارق يونس يكتب : لماذا نخاف من الموت؟

طارق يونس
طارق يونس

كنتُ أتساءل كثيرًا عن هذا السؤال الذي ظل يراودني فترات طويلة، وما زال يفرض نفسه على تفكيري بين الحين والآخر: لماذا نخاف من الموت؟ هل نخاف من الموت ذاته، أم من المجهول الذي ينتظرنا بعده؟ وهل الخوف منه غريزة فطرية أودعها الله في الإنسان لحب البقاء، أم أنه نتيجة تعلقنا بالحياة وما فيها من أهلٍ وأحلامٍ وذكرياتٍ؟
نخاف من الموت لأننا مفطورون على التعلّق بالحياة، وعلى حبّ البقاء، كثيرون منا لا يخشون الموت بقدر ما يخشون التفكير فيه، كأنه ذِكرٌ ثقيل يوقظ قلقًا دفينًا في الأعماق، وهذا الخوف ليس ضعفًا، بل غريزة وُلدنا بها، تحثّنا على التمسك بالوجود،غير أن الموت، حين ننظر إليه بوعي أعمق، ليس عدوًا للحياة، بل حقيقتها الأكثر صدقًا،فهو الجسر الذي نعبره من عالمٍ محدودٍ بقيود الزمن والمادة إلى سعةٍ لا نهائية تتجاوز حدود إدراكنا البشري، لم نُخلق للموت، بل خُلق الموت ليكون بابًا لما بعده، انتقالًا لا انطفاءَ، وبداية لا نهاية.
الموت ليس نهاية الرحلة كما نتصور، بل هو الممر الوحيد إلى دار الحق والخلود،هو اللحظة التي تُجمع فيها أوراق الاختبار، إيذانًا بانتهاء زمن الإجابة، وبداية زمن الحساب،بعده لا يعود هناك سؤال، بل انتظار صامت للنتيجة التي كُتبت بأفعالنا، لا بأمانينا.
وحين ندرك هذه الحقيقة، يتغير شكل الخوف في قلوبنا، لا يزول تمامًا، لكنه يتحول إلى وعي، وإلى مسؤولية، فالموت لا يُخيف من عاش مستعدًا، ولا يُرعب من ملأ أيامه بما يَسْتحق أن يُحمل معه؛عندها فقط، لا يصبح السؤال: متى أو لماذا نموت؟ 
بل: كيف نعيش… قبل أن تُجمع أوراقنا؟
لذا، فإن التصالح مع فكرة الرحيل لا يعني الزهد في الحياة، بل يعني إتقانها؛ فالمسافر الذي يعلم موعد قطاره لا يضيع وقته في تزيين المحطة، بل في إعداد حقائبه.
وفي الحقيقة، ليست قيمة الإنسان فيما يملكه أو فيما يحصل عليه من مكاسب عابرة، بل فيما يتركه من أثر يمتد بعد غيابه، فالحياة منحت كل واحد منا فرصة ليكون إضافةً في هذا العالم، ولو بكلمة صادقة، أو علم نافع، أو يدٍ تمتد بالعون إلى محتاج، وما أكثر الشواهد التي تؤكد أن الأثر أطول عمرًا من صاحبه؛ فكم من معلم رحل عن الدنيا وما زالت أفكاره وقيمه تُنير دروب تلاميذه، وكم من طبيب أو مصلح أو متطوع غاب جسده وبقيت بصماته حاضرة في حياة من انتفعوا بعطائه.
 لقد مات كثير من العظماء، لكن رسائلهم لم تمت، ورحل أصحاب المبادرات الإنسانية، وما زالت أعمالهم تُثمر خيرًا في المجتمعات، وهكذا يصبح العمر الحقيقي للإنسان قياسًا بما زرعه في نفوس الآخرين، لا بعدد السنوات التي عاشها؛ فالأيام تمضي سريعًا، أما الأثر الصادق فيبقى شاهدًا على أن صاحبه لم يكن عابرًا في هذه الحياة، بل كان

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا