في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تُقاس بعدد الأيام، بل بحجم التحولات الجسيمة التي تصنعها في مسار الشعوب، وتظل ذكرى الثلاثين من يونيو شاهدةً على واحدة من أعظم تلك المحطات في التاريخ المصري الحديث ، لم تكن تلك الذكرى مجرد تظاهرة شعبية عابرة أو هبة عاطفية انقضت بانقضاء يومها، بل كانت ثورة وعي شاملة وانتفاضة هوية استردت بها الدولة المصرية روحها وجوهرها الحضاري الذي كاد يختطف في لحظة غفلة من الزمن ، لقد وقف العالم يرقب تلك الملايين التي ملأت الميادين بذهول وإعجاب، يتساءل عن سر تلك العبقرية الكامنة في الجينات المصرية، والتي تثور كالموج الهادر لتصحيح المسار وحماية مقدرات الوطن وإعادة صياغة مستقبله بكبرياء وشموخ.
ومن رحم تلك الملحمة الشعبية الخالدة، برزت القيادة الحكيمة والشجاعة الحازمة متجسدة في شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي انحاز بلا تردد لنداء الشعب وحمل على عاتقه أمانة ثقيلة في توقيت كان يموج بالتحديات والاضطرابات والمخاطر الوجودية. انطلقت الدولة المصرية تحت قيادته في معركة مزدوجة لا تقل ضراوة عن معارك البناء؛ معركة دحر الإرهاب الأسود واقتلاعه من جذوره لتثبيت أركان الدولة وفرض الاستقرار، ومعركة التنمية الشاملة التي أعادت رسم الخريطة الجغرافية والاقتصادية لمصر. فتحولت الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس، وشهدت البلاد قفزات غير مسبوقة في مجالات البنية التحتية، وتأسيس المدن الذكية، وتطوير شبكات الطرق، وإطلاق المشروعات القومية العملاقة التي غيرت وجه الحياة على أرض الكنانة، ممهدة الطريق بثبات نحو تدشين الجمهورية الجديدة التي تليق بتاريخ هذا الشعب العظيم.
لم يقتصر هذا التحول المذهل على الداخل الفسيح، بل امتدت آثاره لتعيد صياغة مكانة مصر الإقليمية والدولية برؤية اتسمت بالندية والرشادة؛ فاستعادت القاهرة دورها المحوري كركيزة أساسية لا غنى عنها للاستقرار في الشرق الأوسط، وباتت سياستها الخارجية تحظى باحترام المجتمع الدولي بأسره. وتجلى هذا التحول في شهادات المؤسسات الدولية الكبرى التي أشادت بصلابة الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية المتلاحقة، وفي الشراكات الاستراتيجية المتنوعة التي عقدتها الدولة شرقًا وغربًا، فضلاً عن دورها الريادي في القضايا الأمنية والدبلوماسية الحساسة ، إن هذا العبور الجسور من مرحلة عدم الاستقرار إلى آفاق التنمية المستدامة جعل مصر محط أنظار العالم وموضع تقديره، كنموذج ملهم في الإرادة الوطنية ومواجهة المستحيل.
إن الحديث عن الثلاثين من يونيو هو حديث عن انبعاث جديد لأمة عريقة واجهت التحديات وحولتها إلى فرص للنهوض والتميز والرفع




