من وجهة نظري ان ما حدث مع المنتخب الأرجنتيني ومع ليونيل ميسي تحديدًا، هو أسوأ سيناريو كان يمكن أن تختتم به مسيرة أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ ليس لأن الأرجنتين خسرت مباراة، ولا لأن مستواها تراجع ولكن لأن الصورة التي تتشكل في أذهان الجماهير أحيانًا تكون أقوى من أي بطولة، وأبقى من أي إنجاز.
قد يرفع المنتخب الأرجنتيني الكأس في النهاية، لكنني أرى أن ذلك لن يكون كافيًا لإنهاء الجدل الذي أحاط بمشواره، فالبطولات تسجل في كتب التاريخ، أما الطريقة التي تتحقق بها فهي التي تبقى في ذاكرة الجماهير، وعندما يصبح الحديث بعد كل مباراة منصبًا على القرارات التحكيمية أكثر من الأداء الفني، فإن قيمة الإنجاز نفسها تصبح محل نقاش، مهما كانت أهمية البطولة.
الأرجنتين كانت لسنوات طويلة منتخبًا يحظى بإعجاب واحترام معظم جماهير كرة القدم، وميسي تحديدًا نجح بعد كأس العالم الأخيرة في إسكات أغلب الانتقادات التي لاحقته طوال مسيرته لكن ما يحدث الآن، من وجهة نظري، أعاد فتح أبواب الجدل من جديد، وجعل كثيرين ينظرون إلى مشوار المنتخب بعين مختلفة، وربما يكون هذا هو الضرر الحقيقي، لأنه يتعلق بالإرث الذي سيبقى بعد اعتزال اللاعب، وليس بنتيجة مباراة أو بطولة.
في المقابل، أرى أن منتخبنا الوطني الذي خرج من البطولة خرج بأفضل مكسب ممكن، رغم مرارة الإقصاء، فهناك فرق تخسر فتتعرض للانتقادات، وهناك فرق تخسر لكنها تكسب احترام العالم، وهذا ما أعتقد أنه حدث هنا، كثير من الجماهير حتى المحايدة منها، رأت أن منتخبنا الوطني قدم كرة قدم جيدة وكان ندًا حقيقيًا وأن خروجه لم يكن انعكاسًا لما قدمه داخل الملعب لذلك تحول من منتخب خاسر إلى منتخب يحظى بتعاطف واسع واحترام كبير.
ومن أكثر الأمور التي لفتت انتباهي أن هذا التعاطف لم يأتِ من جماهير الفريق فقط بل امتد إلى جماهير منتخبات أخرى، وإعلاميين، ومحللين، وحتى لاعبين سابقين، وكل منهم كان لديه تساؤلاته حول بعض القرارات التي أثرت في سير المباراة وهذا ما جعل النقاش يتجاوز حدود المنافسة الرياضية المعتادة ليصبح حديثًا عالميًا عن العدالة التحكيمية وتأثيرها على النتائج.
أنا لا أقول إن كل خطأ تحكيمي يعني بالضرورة وجود مؤامرة لكن ما أراه أن حجم الجدل هذه المرة جعل فكرة الانحياز أو المجاملة مطروحة بقوة في النقاش الجماهيري ولأول مرة لم يعد من السهل وصف كل من يتحدث عن هذه الأمور بأنه يبحث عن شماعة للهزيمة أو يبالغ في رد فعله وأصبح هناك عدد كبير من المتابعين من خلفيات وانتماءات مختلفة يطرحون الأسئلة نفسها ويبدون الملاحظات نفسها وهذا وحده يعكس حجم الجدل الذي صاحب البطولة.
وفي رأيي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بطل هو أن يصبح الحديث عن الظروف المحيطة بإنجازه أكبر من الحديث عن الإنجاز نفسه لأن التاريخ لا يتذكر فقط من فاز بل يتذكر أيضًا كيف فاز، وما إذا كانت رحلته محل إجماع أم محل انقسام وهناك بطولات بقيت خالدة لأنها كانت نموذجًا للعدالة والتفوق، وأخرى بقيت في الذاكرة لأنها أثارت الجدل أكثر مما أثارت الإعجاب.
وأعتقد أن البطولة الحالية لن تذكر فقط بمن حمل الكأس بل ستذكر أيضًا بحجم الجدل الذي رافقها وبالانقسام الكبير في آراء الجماهير حولها. وربما بعد سنوات، عندما يعود الناس للحديث عنها، سيكون السؤال الأبرز ليس: من فاز؟ وإنما: هل كان ذلك الانتصار مقنعًا للجميع؟
شكرًا لمنتخب مصر لأنكم لعبتم بشرف وقاتلتم حتى النهاية وجعلتم ملايين المصريين يشعرون بالفخر مهما كانت النتيجة .




