بعد دعوة الرئيس لمراجعة أوضاع الإعلام..

دكتور محمود حسن يكتب: خريطة طريق لإعلام مهني ومعاصر

دكتور محمود حسن
دكتور محمود حسن

بعد خطاب السيد رئيس الجمهورية وتناوله أوضاع الإعلام، تبادر إلى الأذهان سؤالٌ جوهري: ماذا يحتاج الإعلام لإدارة رسالته وبناء الثقة مع المجتمع والجمهور؟
هذا السؤال لا يتعلق بالمؤسسات الإعلامية وحدها، بل يمس أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة؛ فالإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للأخبار، وإنما أصبح شريكًا في تشكيل الوعي، وإدارة الحوار العام، وتعزيز الانتماء، ومواجهة الشائعات، وفتح مساحات للنقاش المسؤول. ومن هنا، فإن أي مراجعة لأوضاع الإعلام ينبغي أن تنطلق من رؤية للمستقبل، لا من معالجة تحديات الحاضر فقط.
لقد تغير العالم بصورة متسارعة. أصبحت المعلومة تنتقل في لحظات، وأصبح المتلقي يمتلك عشرات المصادر، ويقارن بين الروايات، ويبحث عن الحقيقة بنفسه. لذلك لم تعد المنافسة بين وسائل الإعلام على سرعة نقل الخبر فحسب، وإنما على المصداقية، والدقة، والقدرة على تفسير الأحداث بلغة تحترم عقل الجمهور.
إن بناء إعلام مهني ومعاصر يبدأ من ترسيخ قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: الثقة هي رأس المال الحقيقي للإعلام. وهذه الثقة لا تُكتسب بالشعارات، وإنما تُبنى عبر الالتزام بالتحقق من المعلومات، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي، وإتاحة مساحة للتعددية المهنية، والاعتراف بالخطأ عند وقوعه وتصحيحه بشفافية.
ولا يقل تطوير الكوادر أهمية عن تطوير المؤسسات. فالإعلامي اليوم مطالب بأن يجمع بين الثقافة الواسعة، والقدرة على التحليل، وإتقان أدوات الإعلام الرقمي، وفهم آليات الذكاء الاصطناعي، ومهارات التحقق من المحتوى، حتى يظل قادرًا على المنافسة في بيئة إعلامية تتغير كل يوم.
كما أن الإعلام المعاصر يحتاج إلى غرفة أخبار متكاملة تعتمد على البيانات، وتستثمر في التكنولوجيا، وتستخدم الوسائط المتعددة، وتنتج محتوى يناسب مختلف المنصات، دون أن تفقد هويتها المهنية أو رسالتها الوطنية. فالجمهور لم يعد ينتظر الصحيفة أو النشرة التقليدية، بل ينتظر محتوى سريعًا، دقيقًا، جذابًا، وذا قيمة.
ومن الضروري أيضًا أن يقترب الإعلام أكثر من المواطن. فالناس لا تبحث فقط عن متابعة الأحداث الكبرى، وإنما تريد من يشرح لها كيف تؤثر القرارات والسياسات في حياتها اليومية، ويقدم لها المعلومات بلغة واضحة، ويعكس همومها وتطلعاتها، ويطرح الحلول إلى جانب عرض المشكلات.
وفي الوقت نفسه، فإن الإعلام المسؤول لا يقوم على الإثارة، ولا على صناعة الاستقطاب، بل على إدارة الاختلاف باحترام، وتقديم الحوار الموضوعي، وإبراز النماذج الإيجابية، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، مع ممارسة النقد المهني القائم على الحقائق، بما يسهم في دعم مسيرة الإصلاح والتنمية.
إن دعوة السيد الرئيس إلى مراجعة أوضاع الإعلام تمثل فرصة مهمة لإطلاق حوار مهني واسع تشارك فيه المؤسسات الإعلامية، والجامعات، ونقابة الصحفيين، ونقابة الإعلاميين، والخبراء، والشباب، بهدف الوصول إلى رؤية عملية تستجيب لمتطلبات العصر وتحافظ في الوقت ذاته على ثوابت المهنة.
ولعل خريطة الطريق المنشودة تقوم على محاور واضحة: تحديث التشريعات بما يواكب التطور الرقمي، الاستثمار في تدريب الكفاءات، دعم الصحافة الاستقصائية والمحتوى المعرفي، تطوير البنية التكنولوجية للمؤسسات الإعلامية، وضع معايير واضحة للجودة المهنية، وتعزيز التواصل المستمر مع الجمهور لقياس مستوى الثقة والاستجابة لتوقعاته.
ولا يمكن الحديث عن إعلام مهني قادر على بناء الثقة من دون مساحة مسؤولة للحوار وإبداء الرأي. فالمهنية لا تزدهر في بيئة يغيب عنها النقاش، كما أن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية. وكلما اتسع هامش الحوار الموضوعي، وتعددت الرؤى في إطار احترام القانون وأخلاقيات المهنة، ازدادت قدرة الإعلام على تفسير القضايا، واستيعاب اختلافات المجتمع، وتصحيح المعلومات المغلوطة قبل أن تتحول إلى شائعات أو حالة من فقدان الثقة. إن الجمهور لا يبحث عن صوت واحد يكرر ما يعرفه، بل عن إعلام يطرح الأسئلة، ويستضيف الآراء المتنوعة، ويتيح نقاشًا جادًا يحترم العقول ويضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار.
فالحوار المسؤول لا يضعف الدولة، بل يقويها، والحرية المنضبطة لا تهدد الاستقرار، بل تعزز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وتجعل الإعلام شريكًا في صناعة الوعي لا مجرد ناقلٍ للأحداث.
إن الإعلام الذي نطمح إليه ليس إعلامًا يكتفي بنقل الوقائع، بل إعلام يفسر، ويوثق، ويكشف الحقائق، ويحترم عقول الناس، ويؤمن بأن قوة رسالته تنبع من مهنيته، وأن تأثيره الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن بأن ما يراه أو يقرأه يستحق ثقته.
ويبقى تطوير الإعلام مسؤولية مشتركة، تتطلب إرادة، ورؤية، وعملًا مؤسسيًا متواصلًا. وعندما تجتمع المهنية مع الكفاءة، والتكنولوجيا مع القيم، والسرعة مع الدقة، يصبح الإعلام أكثر قدرة على أداء رسالته، وأكثر قربًا من المجتمع، وأكثر إسهامًا في دعم مسيرة الدولة وبناء وعي يليق بالجمهورية الجديدة ..

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا