فوضى الألقاب المستعارة… كل شيء للبيع إلا الكفاءة. دكاترة بلا دراسة، ومستشارون بلا اختصاص، وإعلاميون بلا ممارسة حقيقية للمهنة. ليبقى السؤال: من المسؤول عن انفلات المسميات المهنية؟
لم تعد الأزمة في اللقب ذاته، فاللقب في جوهره تقديرٌ لعلم أو خبرة أو مسؤولية. لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول إلى زينة اجتماعية، أو وسيلة لاكتساب وجاهة لا يسندها علم، أو نفوذ لا تؤيده خبرة، أو مكانة لا يبررها تاريخ مهني. عندها يفقد اللقب قيمته، ويصبح المجتمع هو الخاسر الأكبر.
في زمن تتسارع فيه وسائل التواصل، صار الوصول إلى الجمهور أسهل من الوصول إلى التأهيل. وأصبح من السهل أن يسبق اللقب صاحبه، وأن تتقدم الصفة على الحقيقة. فتجد من يسبق اسمه لقب “الدكتور” دون أن يحمل درجة الدكتوراه، ومن يصف نفسه بـ”المستشار” دون أن يكون هذا الوصف مستندًا إلى صفة قانونية أو مهنية واضحة، ومن يقدم نفسه إعلاميًا وهو لم يمارس العمل الإعلامي وفق أصوله المهنية ولم يخضع لتدريبه وأخلاقياته.
ولا تكمن الخطورة في الكلمات وحدها، بل في الأثر الذي تتركه. فالمواطن حين يقرأ لقبًا أو يسمعه، يبني عليه ثقة، ويتخذ أحيانًا قرارات تمس صحته أو ماله أو مستقبله. لذلك فإن انتحال الألقاب أو استخدامها على غير وجهها لا يسيء إلى أصحابها الحقيقيين فحسب، بل يهز ثقة الناس في المؤسسات والمهن نفسها.
والأخطر من ذلك أن تتحول الألقاب إلى معيار للقبول الاجتماعي، بينما تتراجع الكفاءة إلى الصفوف الخلفية. فيصبح السؤال: “ماذا يسبق اسمك؟” بدلًا من “ماذا أنجزت؟”. وهنا تختل الموازين، ويُكافأ الادعاء أكثر مما تُكافأ الجدارة.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا ألا نعمم. فهناك آلاف الباحثين الذين أفنوا سنوات من أعمارهم حتى استحقوا لقب “دكتور”، وآلاف المستشارين الذين اكتسبوا صفتهم عبر خبرات ومسؤوليات حقيقية، وآلاف الإعلاميين الذين صنعوا أسماءهم بالالتزام والممارسة والعمل الميداني. هؤلاء هم أول المتضررين من فوضى الألقاب، لأن قيمة ما بذلوه تتآكل كلما استُخدم اللقب بلا استحقاق.
ويبقى السؤال: من المسؤول؟ هل هي التشريعات التي لا تردع بما يكفي؟ أم بعض المؤسسات التي تمنح مسميات فضفاضة بلا ضوابط؟ أم المنصات التي تترك المجال مفتوحًا لأي شخص ليقدم نفسه بما يشاء؟ أم نحن جميعًا عندما نصفق للقب قبل أن نسأل عن صاحبه؟
إن استعادة هيبة الألقاب لا تكون بمنعها، وإنما بإعادتها إلى معناها الحقيقي. فاللقب ليس زينة تُعلق أمام الاسم، ولا بطاقة عبور إلى الاحترام، بل هو مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا، واستحقاق قبل أن يكون تعريفًا.
وفي النهاية، سيظل المجتمع يحترم الإنجاز أكثر من اللافتة، والعلم أكثر من الادعاء، والكفاءة أكثر من الزينة اللفظية. أما الألقاب المستعارة، فقد تمنح بريقًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع قيمة دائمة. فالهيبة لا يخلقها لقب، بل يصنعها صاحب اللقب عندما يكون أهلًا له




