منذ أن يولد الإنسان، يبدأ رصيد عمره في التناقص، لا في الازدياد، نمضي في طريقٍ زمني يسير في اتجاهٍ واحد، لا يتوقف، ولا يعود إلى الوراء، ولا يمنح أحدًا فرصةً لاستعادة دقيقةٍ مضت، ولعل هذه الحقيقة هي التي تجعل الوقت من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا، فهو الوعاء الذي تُبنى فيه الحياة، وتُصنع فيه الإنجازات، وتُكتب فيه صفحات أعمارنا.
ولذلك لم يكن اهتمام الإسلام بالوقت أمرًا عابرًا، بل جاء حاضرًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، فكان أول ما نزل من الوحي: ﴿اقرأ﴾؛ وكأن الرسالة الأولى للإنسان أن يعمّر وقته بالعلم والمعرفة، وأن يدرك أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما امتلأت به من خيرٍ وعملٍ نافع، كما أقسم الله تعالى بالزمن في مواضع كثيرة من القرآن، فقال: ﴿والعصر﴾، و﴿والفجر﴾، و﴿والضحى﴾، تنبيهًا إلى عظمة هذا المخلوق الذي يغفل عنه كثير من الناس، وقال النبي ﷺ: نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ؛ لأن الفراغ إذا ضاع، ضاع معه جزءٌ من العمر لا يمكن تعويضه.
ومع ذلك، فإن كثيرًا منا يعيش وكأن الوقت لا ينفد، نقضي ساعاتٍ طويلة نتنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي، نتابع المقاطع القصيرة، وننتقل من منشورٍ إلى آخر، ومن صورةٍ إلى أخرى، حتى ينتهي اليوم، ولا يبقى في الذاكرة إلا شعورٌ غامض بأن الساعات مضت دون أن تترك أثرًا، وربما كان هذا أحد أسباب ذلك الفراغ الداخلي الذي يشعر به كثيرون؛ فالنفس البشرية لا ترتاح لمجرد مرور الوقت، بل ترتاح حين تشعر أن لحياتها معنى، وأن يومها أضاف إليها شيئًا جديدًا.
أتذكر حين كنت صغيرًا أن اليوم كان يبدو طويلًا، وكانت الساعات تتسع للدراسة، واللعب، والقراءة، والجلوس مع الأهل، أما اليوم، فكثيرًا ما تمر الأيام والأسابيع، بل والشهور، دون أن نشعر كيف انقضت، وليس السبب أن الزمن أصبح أسرع، بل لأن وعينا بالوقت تغيّر، وامتلأت أيامنا بما يستهلكها أكثر مما يبنيها، فالزمن في حقيقته شعورٌ نسبي؛ فالدقائق التي تُملأ بالمعنى تبدو أطول وأغنى من ساعاتٍ تمضي في الفراغ.
ولعل أكثر ما غيّر نظرتي إلى الوقت موقفٌ بسيط مررت به أثناء انتظاري إحدى الرحلات في المطار، كانت أمامي دقائق معدودة، فأمسكت بعدّاد التسبيح، وبدأت أذكر الله، ثم راقبت الرقم وهو يرتفع، كانت المفاجأة ،أن الدقيقة الواحدة وحدها تتسع لما يقارب ثمانين إلى مئة تسبيحة، أي أن خمس دقائق فقط قد تتجاوز خمسمئة تسبيحة، ولم يتوقف الأمر عند الذكر؛ بل أدركتُ يومها أن قراءة صفحة واحدة من المصحف الشريف بتدبرٍ وهدوء لا تستغرق أكثر من دقيقتين، وعلى هذا المقياس البسيط، يصبح ختم القرآن أو قراءة أجزاء منه ليس مشروعًا مؤجلاً لزمن الفراغ




