أخر الأخبار

خالد الشناوي يكتب : كلام الأبكم لا يفقهه إلا أمه!

خالد الشناوي
خالد الشناوي

 
في طريق القوم من السادة الصوفية  إشارات عرفانية وعبارات وجدانية واحوال روحانية وواردات قلبية فيضية من الحضرة العلية تحصلت لهم عن طريق الذكر والفكر والاجتباء من قبل رب البرية لكونهم سبقت لهم من الله العناية ولوحظوا منذ القدم بمقام الولاية ..
 واذا كان الأمر كذلك فإن لكل فئة من الناس مصطلحاتهم فيما بينهم 
فللفقهاء مسمياتهم كالاجتهاد والقياس والاستبناط وغير ذلك من القواعد الأصوليه وكذا للمفسرين قواعدهم الخاصه بهم كالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ واسباب النزول ولعلماء الحساب والطبيعة مصطلحاتهم وكذا سائر العلوم حتى العوام من الناس والتجار   كل صنف من هؤلاء له جمل وكلمات واسس شهيرة تحكم أمورهم الحياتية ...
وإذا كان التصوف مشتق من الصفاء فهو بهذا يعني مجاهدة النفس بالذكر حتى تستقيم أحوالها وتشرق أنوارها وتتلاشى شيئا فشيئا رعوناتها فلا تراها تجنح إلا إلى الطاعة وتهجر أبواب المعاصي لا سيما كبائر الذنوب منها حتى تستكين تحت مجريات الأقدار فيتحقق لها القرب من حضرة الرب وهذا مقصد القوم الأسمى .
والتصوف ليس مذهبا أو جماعه وانما هو طريقا يرنو الوصول إلى الله سبحانه وتعالى والوصول هنا يعني معرفة الحق جل في علاه معرفة حقيقيه من خلال التخلي عن كل خلق دني واتباع كل خلق علي وسني، وبهذا فالتصوف خلق، فما زاد عليك في الخق زاد عليك في التصوف .
فليس التصوف انطوائية وانعزالا عن الحياه،أو ارتداء الثياب الرثة المهلهلة، بل التصوف يعني عبادة ووسطية، وذكر وفكر، وعلم ونجاح في الحياة دنيا ودين، ولنا في شيخ الصوفيه أبو حامد الغزالي الدليل، حيث ترك مكتبة علمية رصينة خدمت الاسلام بأسره،ومن أهم انتاجه العلمي كتابه الكبير "إحياء علوم الدين" الذي قيل فيه:"لو نفذت كتب الدين ولم يبق للامة منها إلا الإحياء لكفاها!
وعلى الصعيد الآخر نجد الإمام الأكبر محي الدين بن عربي في سفره الخالد الفتوحات المكية،والسيوطي في تفسيره للقرآن الكريم، وابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، والعز بن عبد السلام سلطان العلماء، وحديثا الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق،و الشيخ الشعراوي،والإمام محمد ماضي أبو العزائم وعشرات الآلاف من العلماء عبر الدهور والعصور كلهم خرجوا من خلوات الساده الصوفية ...
ولقد تعرض الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين شرحا وتأصيلا لأحوال القوم من السادة الصوفية فقال:ان لفظة الحال تعني:"ما يرد على القلب من تجليات ربانية نتيجة استغراق صاحبه في ذكر الله ذكرا كثيرا،وهذا الحال يعني استغراق الروح في نشوة الذكر والفكر والقرب، حتى يكاد يقع لصاحبها امور يطلق عليها الكشف،وتعني شفافية الروح، أو بمعنى أدق انكشاف البصيره فستيقظ الروح من رقادها فترى وتشاهد بالله أمورا لا تكون لغيرها....." .
ولما كانت هذه الكلمات كالحال والوجد والفناء والبقاء والشهود والاستغراق والفرق والجمع  والمقام والاشارة والصحو والمحو والرد والجذب في عرف أصحاب الطريق الصوفي خاصة بهم فلا يفقهها غيرهم فقد سأل أحدهم بعض الناس في قديم الزمان: لا نفقه كثيرا مما تقولون؟!
ليرد عليه قائلا:"كلام الأبكم لا يفقهه إلا أمه"!
وبعد ان اوضحنا معنى الحال بعاليه  فإليك-سيدي القارئ- توضيح ما تبقى من هذه المصطلحات بايجاز لا يخل وإطناب لا يمل:
الوجد:حالة انفعالية وفيضان قلبي يتجلى فيه الشوق أو الخوف أو المحبة الإلهية نتيجة الواردات الربانية دون تكلف. وهو مرحلة روحية تلي "التواجد" وتسبق "الوجود"، وقد يُصاحبه تغيرات جسدية كالبكاء أو القشعريرة وقال فيه القشيري رحمه الله في رسالته:"هو نور ينقدح في القلب" .
الفناء:هو موت الصفات المذمومة والفناء في الارادات الإلهية فيستكين السالك تحت مجرياتها .
البقاء: يعني القيام بالله في كل شئ ويعني الاستقامة الكبرى واستيقاظ القلب ...
وعادة ما يُعد الفناء مرحلة وسيطة ومقدمة لمقام أعلى وأكمل يُعرف بـ "البقاء"، وفيه يعود السالك إلى وعيه بحدوده كإنسان، ولكن بعد أن تحلت روحه بالصفات الإلهية المحمودة ليحيا "بالله ولله".
الشهود:هو استحضار العبد للحق (الله) سبحانه و تعالى في كل أحواله، فالعارف "ظاهره مع الحدود (أحكام الشريعة)، وباطنه مع الشهود"، أي لا تُسقط الحقيقةُ الباطنةُ التكليفَ الظاهر بأي حال من الأحوال .
الاستغراق:هو مرحلة أعمق وأشد كثافة روحية، حيث يستحوذ استحضار المعنى الإلهي على العقل والنفس، فيندمج الصوفي في العبادة أو التأمل لدرجة تجعله لا يشعر بما حوله أحيانا، أو يغيب عن إدراك نفسه فهو مستغرق في الاقبال على خالقه جل في علاه .
الفرق:يُمثل الفرق رؤية العبد لأفعاله وتكاليفه (العبودية) .
 الجمع:ويعني الاستغراق في توحيد الله وشهود أفعاله في كل شئ
 فالفرق والجمع بذلك هما مقامان متكاملان؛ فلا تصح العبودية بدون "الفرق"، ولا تتحقق المعرفة الكاملة بالله دون "الجمع".
المقام:يمثل المقام في الفلسفة الصوفية منزلة روحية يُكتسبت ببذل الجهد والمجاهدة او بالعنايه فقد تكون فضل جود لا مجهود .
  الإشارة: تعني التلميح الرمزي لمعارف وأحاسيس يختبرها "السالك" في طريقه إلى الله، وهي تمثل جوهر التربية واللغة الصوفية او بمعنى أدق هي ترجمة حقيقية لخواطر نورانية وقديما قيل:إنما
 اللبيب بالاشارة يفهم!
الصحو: عودة العبد إلى وعيه البشري وإدراكه للأشياء بعد أن غاب عنها في بحر الجذب أو المحو.الدلالة: في هذا المقام يعود السالك ليعامل الخلق بأمر الله، ويرى الأشياء من منظور إلهي سليم .
المحو:هو محو مراد السالك في مواجهة مراد خالقه جل في علاه 
ولذا قال أحدهم:
أنا ما حيلتي والعجز غاية قوتي 
وأمري جميعا تحت حكم المشيئة 
الجذب:اصطفاء إلهي واختطاف رباني للعبد ليقربه إليه دون كسب أو مجهود شخصي .
الرد:ان يعود السالك إلى حالته الاولى بعد استغراقه في الشهود والتجلي لا يتغير في تعامله مع غيره مؤديا مهمته في حياته عمليا بالعلم والحال والقال .
والجذب هنا ليس جنونا او تلاشي العقل وانما جذب قلبي مع صحو ٩عقلي ولذا قالوا:مجذوبنا صاح أي مستيقظ على الدوام، وإلا لابه نقتدي ولا عليه نعتدي!

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا