أثار التفشي البكتيري المفاجئ لمرض "الفيالقة" في منطقة "أبر إيست سايد" بحي مانهاتن في مدينة نيويورك الأمريكية مخاوف صحية عالمية واسعة، بعد أن تجاوزت الإصابات هناك 74 حالة وسُجلت 4 وفيات حتى الآن.
أعاد هذا المشهد إلى الأذهان خطورة المرض الوبائي الناجم عن أبراج التبريد الملوثة في المباني الضخمة والمتاحف كـ "غوغنهايم" (Guggenheim) ، ورغم كونه مرضاً غير معدٍ بين البشر، إلا أن قدرته على التفشي الجماعي عبر استنشاق رذاذ المياه الملوثة جعلت المجالس الصحية حول العالم ترفع درجات التأهب لفهم طبيعة هذا المرض الخفي وكيفية تحصين المجتمعات من خطره.
ومرض الفيالقة (Legionnaires' Disease) هو شكل حاد وعنيف من الالتهاب الرئوي غير النمطي، ينتج عن الإصابة بنوع من البكتيريا العصوية سالبة الغرام تُدعى "بكتيريا الفيلقية" أو "الليجيونيلا" (Legionella)، تم اكتشاف المرض لأول مرة عام 1976 في فيلادلفيا بالولايات المتحدة، عقب تفشٍ حاد بين أعضاء رابطة عسكرية تُعرف بـ "الفيالقة"، ومن هنا جاءت التسمية التاريخية للمرض.
تتراوح فترة حضانة المرض في الرئتين عادة من 2 إلى 14 يوماً من لحظة استنشاق البكتيريا، وتبدأ الأعراض بشكل يشبه الإنفلونزا الحادة ثم تتفاقم لتشمل، ارتفاع شديد ومفاجئ في الحرارة يترافق مع قشعريرة قوية ، سعال جاف يتطور لاحقاً ليكون مصحوباً ببلغم مدمم ، وألم حاد في الصدر وضيق شديد في التنفس، مع آلام عضلية مبرحة وصداع وإرهاق عام واضطرابات هضمية وثنايا ذهنية، مثل الإسهال، الغثيان، والتشوش الذهني والارتباك.
تعيش البكتيريا بشكل طبيعي في البحيرات والمياه العذبة بنسب آمنة، ولكنها تصبح خطيرة عندما تتسلل إلى أنظمة المياه الاصطناعية الحديثة، تكمن أسباب تفشيها في ركود المياه ووصول درجات حرارتها إلى (20-50 درجة مئوية)، وهي البيئة المثالية لتكاثرها.
يتحول المرض إلى وباء أو تفشٍ جماعي (Outbreak) عندما يحدث تلوث في المصادر التي تطلق رذاذاً مائياً دقيقاً في الهواء، مثل أبراج التبريد الضخمة الخاصة بمكيفات الهواء المركزية في الفنادق، المصانع، والمستشفيات، أنظمة الدش، والنافورات الزخرفية، وأحواض الجاكوزي والمياه الساخنة المهملة.
لا ينتقل داء الفيالقة على الإطلاق من شخص لآخر عبر السعال أو العطس أو التلامس، و الطريقة الوحيدة للإصابة هي استنشاق رذاذ ميكروسكوبي من ماء ملوث بالبكتيريا مباشرة إلى الجهاز التنفسي.
تُعد الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا (مثل فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة) الأكثر تسجيلاً للحالات سنوياً، حيث تسجل أمريكا وحدها ما بين 8 إلى 18 ألف حالة سنوياً، ويرجع ذلك إلى الاعتماد الكلي على أنظمة السباكة المعقدة وأنظمة التبريد المركزي الضخمة، فضلاً عن وجود أنظمة ترصد وتشخيص متطورة للغاية.
في نفس الوقت لا توجد أي وبائيات أو تفشيات للمرض في مصر أو الدول العربية، و الحالات المكتشفة بالمنطقة هي مجرد حالات فردية نادرة ومعزولة، تظهر كأي التهاب رئوي اعتيادي يُعالج بالمضادات الحيوية في المستشفيات دون تجمعات وبائية.
بما أنه لا يوجد لقاح متوفر حتى الآن لداء الفيالقة، فتعتمد الوقاية تماماً على الإجراءات البيئية والتنظيمية الصارمة، مثل الصيانة والتنظيف الدوري و تفريغ، تنظيف، وتطهير أبراج التبريد وخزانات المياه بشكل منتظم باستخدام الكلور والمواد الكيميائية القاتلة للبكتيريا،التحكم في درجات الحرارة
وبما ان خزانات الأسطح تنتشر في منطقتنا العربية وخاصة مصر، فابالتالى ممكن ان تكون بيئة خصبة للبكتيريا إذا ركدت المياه بداخلها وارتفعت حرارتها بفعل أشعة الشمس الصيفية لتصل إلى البيئة المثالية لتكاثر الميكروب (20-50 مئوية).
وللحماية، يُنصح بالآتي:عزل الخزانات حرارياً لمنع سخونة المياه.التنظيف والتعقيم الدوري بالكلور كل 6 أشهر، استمرار استهلاك المياه لتجنب ركودها، إبقاء أنظمة المياه الباردة أقل من 20 درجة مئوية، والمياه الساخنة أعلى من 60 درجة مئوية لمنع البكتيريا من التكاثر.
منع ركود المياه، وتشغيل الصنابير ورؤوس الدش غير المستخدمة في الفنادق أو المنازل بانتظام لتدفق المياه الراكدة.الفحص المخبري الدائم: إلزام المنشآت السياحية والصحية الكبرى بإجراء تحاليل دورية لعينات المياه لضمان خلوها من بكتيريا الليجيونيلا.




