الوطن لا يُقاس بارتفاع الهتافات في المدرجات، بل بانخفاض القمامة بعدها.
كم مرة سمعنا عبارة: "نحب الوطن"؟
تتردد في الخطب، وتُكتب على اللافتات، وتُرفع في المناسبات، حتى أصبحت من أكثر الجمل استهلاكًا... وأقلها اختبارًا.
لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع هو:
هل حب الوطن كلمةٌ تُقال، أم مسؤوليةٌ تُمارس؟
لو كان حب الوطن مجرد كلمات، لكانت أوطاننا اليوم جناتٍ على الأرض. لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا ممن يرفعون شعار الوطنية هم أول من يتجاوز النظام، ويهدر المال العام، ويلقي القمامة في الشوارع، ويبحث عن مصلحته ولو على حساب المجتمع كله.
إننا نعيش مفارقةً غريبة؛ فالجميع يتغنون بالوطن، لكن القليل فقط يحبونه بالفعل.
لقد اختزل البعض الوطن في العلم، والنشيد، والمناسبات الوطنية، أو في مباراة كرة قدم نشجع فيها المنتخب بحماسٍ منقطع النظير. نهتف باسم مصر، ونرفع أعلامها، ونبكي فرحًا إذا انتصرت... ثم، في المكان نفسه الذي احتفلنا فيه باسمها، نترك أكوام القمامة، ونحطم المقاعد، ونخرب الممتلكات العامة باعتبارها جزءًا من مظاهر الفرح.
أي مفارقة هذه؟
كيف يمكن لمن يلوث وطنه وهو يحتفل به أن يدّعي حبه؟
إن ما نحبه في تلك اللحظة ليس الوطن، بل نشوة الانتصار. وما ندافع عنه ليس مصر، بل الفريق الذي يمثلها. فلو كنا نحب الوطن حقًا، لكان أول تعبير عن هذا الحب هو احترام المكان الذي يحمل اسمه.
حب الوطن لا يُقاس بعلو الهتاف في المدرجات، بل بما نتركه خلفنا بعد أن ينتهي الهتاف.
قد تكون مشجعًا عاشقًا لكرة القدم... لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنك عاشق للوطن.
أنت قد تحب الكرة... لكن حب مصر يبدأ عندما تحترمها، لا عندما تهتف باسمها فقط.
الوطن ليس فندقًا نقيم فيه مؤقتًا، ولا شركةً نطالبها بالأرباح دون أن نشارك في الإنتاج.
الوطن علاقة أخلاقية قبل أن يكون علاقة جغرافية.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض الناس يطالبون بحقوقهم الوطنية بكل قوة، لكنهم يعتبرون واجباتهم الوطنية خيارًا يمكن تأجيله أو تجاهله.
يريدون دولةً بلا فساد، بينما يقدمون الرشوة عندما تخدم مصالحهم.
يريدون شوارع نظيفة، لكنهم يلقون المخلفات من نوافذ سياراتهم.
يطالبون بالعدل، لكنهم يقبلون الظلم إذا كان لصالحهم.
وينادون بالمساواة، لكنهم يبحثون دائمًا عن الاستثناء.
أي وطنٍ يمكن أن يبنيه هذا التناقض؟
الحقيقة التي قد تبدو قاسية هي أن الوطن لا ينهار فقط بسبب أعدائه، بل قد يضعف أيضًا عندما يتحول حب الوطن إلى قصيدة، بينما تتحول الأنانية إلى أسلوب حياة.
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى مواطن يرى أن احترام الإشارة المرورية عمل وطني، وأن إتقان وظيفته عبادة وطنية، وأن الحفاظ على المال العام شرف لا يقل عن الدفاع عن الحدود.
ليس المطلوب أن نهتف للوطن أكثر...
بل أن نكذب أقل، ونغش أقل، ونفسد أقل، ونحترم القانون أكثر.
فالوطن لا يقاس بعدد من يقولون: "نحبه"، بل بعدد من يجعلونه أفضل كل يوم دون انتظار تصفيق أو كاميرات.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يواجه كل واحدٍ منا نفسه به:
هل نحن نحب الوطن فعلًا... أم أننا فقط نحب صورة أنفسنا ونحن نتحدث عن حبه؟
"الوطن لا يُقاس بارتفاع الهتافات في المدرجات، بل بانخفاض القمامة بعدها. فأسهلُ ما في الوطنية أن تهتف للوطن... وأصعبُها أن تحترمه عندما لا يراك أحد."




