في الماضي، كانت رحلة العلاج تبدأ دائمًا من باب العيادة، مع الطبيب كمرجع أساسي لكل شيء، أما اليوم وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت رحلة البحث عن العلاج تبدأ غالبًا من شاشة الهاتف، ولم تعد القرارات الصحية حكرًا على عيادات الأطباء، بل أصبحت «المنشورات» و«الفيديوهات» شريكًا مؤثرًا في تشكيل وعي المرضى، واختيارهم لسبل العلاج، وبين الثقة في الطبيب والاعتماد على تجارب الآخرين، يقف المواطن حائرًا، يحاول الموازنة بين العلم والانطباع الشخصي، في مشهد يعكس تغيرًا واضحًا في سلوك التعامل مع المرض.
سمية أحمد 35 سنة وموظفة تشير إلى أنها لم تعد تذهب مباشرة للطبيب عند شعورها بأي أعراض بسيطة، وأن السوشيال ميديا باتت بالنسبة لها مصدرًا أوليًا للمعلومة، خاصة في الحالات البسيطة، موضحة أنها تلجأ إلى البحث عن الأعراض التي تشعر بها قبل التفكير في زيارة الطبيب، وترى أن تجارب الآخرين تمنحها نوعًا من الطمأنينة، لكنها تعترف في الوقت نفسه أن هذه المعلومات قد تكون مضللة أحيانًا.
محمود مرزوق صاحب محل، يرى أن الجمع بين السوشيال ميديا وأدوات الذكاء الاصطناعي يوفر معلومات أولية سريعة، لافتا إلى أنه أحيانًا يدخل تطبيقًا ليصف أعراضه ويحصل على شرح محتمل لكل واحدة منها، ثم يتحقق من المعلومات على الإنترنت، موضحًا أن هذه الطريقة توفر وقتًا وجهدًا، لكنها ليست كافية، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع فحص العلامات الحيوية أو معرفة التاريخ المرضي الكامل، وبالتالي تظل زيارات الطبيب ضرورية لإتمام التشخيص.
شريفة منصور ربة منزل تتحدث عن تجربة شخصية أكثر توترًا مع طفلها الصغير الذي أصيب بحساسية مفاجئة، استخدمت أداة ذكاء اصطناعي لتسجيل الأعراض، وتوقع احتمالات مختلفة للحالة، لكنها فوجئت بتدهور الحالة رغم اتباع التعليمات الرقمية، ما اضطرها للذهاب بشكل عاجل للطبيب، مشددة على أن هذه التجربة جعلتها أكثر حرصًا، وأدركت أن كل حالة لها خصوصيتها، وأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي أو تجارب الآخرين وحدها قد يؤدي إلى مخاطر حقيقية.
محمود علي طالب جامعي، يرى أن أدوات الذكاء الاصطناعي مفيدة جدًا للشباب الباحث عن حلول سريعة، واصفا كيف يستخدم هذه الأدوات لتفسير الأعراض اليومية البسيطة مثل الصداع أو التعب، ويأخذ ملاحظات حول التغيرات في صحته، لكنه دائمًا ينتظر استشارة الطبيب لتأكيد التشخيص،فبالنسبة لمحمود، السرعة في الحصول على المعلومات مهمة، لكنها لا تعني الحل النهائي، وهي مجرد وسيلة لتخفيف القلق أو لمعرفة ما يجب مراقبته.
صباح أحمد مدرسة تحذر من الثقة الزائدة بما يقدمه الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن بعض الأشخاص يبدأون العلاج الذاتي دون أي استشارة، وهو ما قد يكون خطرًا، خاصة في الأمراض المزمنة والمعقدة، قائلة "التكنولوجيا أداة، لكن استخدامها بطريقة عشوائية قد يعرض المرضى لمضاعفات غير متوقعة"، وبالنسبة لها فإن المعرفة الرقمية يجب أن تكون مكملة للطبيب وليس بديلًا له.
مصطفي السيد محاسب يشير إلى الجانب الإيجابي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في حياته اليومية، موضحًا كيف يساعده التطبيق على تسجيل أعراضه اليومية، مثل ضغط الدم أو نسبة السكر، ويرسل تقريرًا منظمًا للطبيب عند كل زيارة، هذا يتيح للطبيب تقييم الوضع بشكل أسرع وأكثر دقة، ويقلل من احتمالية نسيان أي تفاصيل مهمة، مع ذلك أكد أن الاعتماد الكامل على التقنية وحدها ليس كافيًا، فهي مجرد أداة تساعد في التوثيق والمراجعة.
ميسون عبد الله طالبة ترى أن المنصات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي تمنح المرضى شعورًا بالأمان النفسي، خصوصًا عندما يشعرون بالقلق من الأعراض الغامضة، مشيرة إلى مجموعات الدعم التي تعرفت عليها عبر الإنترنت، والتي تجمع مرضى يعانون من نفس الحالة، لتبادل التجارب والنصائح، وتقول هبة إن هذه التجربة خففت عنها كثيرًا، لكن تبقى الفحوصات الطبية ضرورية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه قياس العلامات الحيوية أو تقديم التشخيص النهائي.
في حين أختصر محسن إبراهيم مهندس الأمر بقوله: الجمع بين الطبيب، السوشيال ميديا، وأدوات الذكاء الاصطناعي هو الحل الأمثل. التكنولوجيا تمنح المريض معرفة أولية وسهولة في تتبع الأعراض، لكنها لا تلغي دور الطبيب في التشخيص والعلاج. يرى حسن أن هذا التوازن يمنح المرضى وعيًا أكبر ويقلل المخاطر الناتجة عن التشخيص الذاتي أو التضليل الرقمي، ويجعل من رحلة العلاج أكثر أمانًا وفعالية.
وأشارت منال محمود مهندسة أنها بدأت تستخدم برامج الذكاء الاصطناعي لتسجيل الأعراض وطرح أسئلة مثل "ما السبب الأكثر احتمالًا؟" ثم تقرأ عن التجارب المشابهة على السوشيال ميديا، لافتة إلى أن هذا الأسلوب يمنحها شعورًا بالتحكم في حالتها، ويساعدها على ترتيب أفكارها قبل زيارة الطبيب، لكنها تعترف أن النتائج ليست دائمًا دقيقة، وأن الطبيب يظل المرجع النهائي بالنسبة لها، مختتمة "الجمع بين الذكاء الاصطناعي والمعرفة الرقمية مجرد خطوة أولى لتحديد الأولويات".
اقرأ أيضا : من الإفطار إلى الدراما| كيف غيرت السويشيال ميديا أجواء رمضان؟




