في كل عام، يتعامل عشرات الآلاف من الأسر المصرية مع تنسيق القبول بالجامعات باعتباره المحطة الأخيرة في رحلة الثانوية العامة، لكنه في الحقيقة ليس نهاية الطريق، بل بداية مسار جديد تتحدد ملامحه بقرار قد يستمر أثره لعقود. ولهذا فإن موسم التنسيق لا ينبغي أن يُدار باعتباره مجرد عملية إلكترونية لتسجيل الرغبات، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة الدولة على توجيه طاقات شبابها نحو احتياجات المستقبل.
التجربة التي عاشها الطلاب العام الماضي كشفت أن المشكلة لم تكن في قواعد التنسيق نفسها، بقدر ما كانت في طريقة تعامل بعض الطلاب وأولياء الأمور معها. فقد ظهرت حالات كثيرة لطلاب فقدوا فرصًا مناسبة بسبب ترتيب غير مدروس للرغبات، بينما تمسك آخرون بكليات ذات "بريق اجتماعي" رغم أنها لا تتوافق مع ميولهم أو قدراتهم، ليكتشفوا بعد شهور أنهم اختاروا اسم الكلية لا مستقبلهم المهني.
ومن بين أبرز الأخطاء التي برزت أيضًا، الاعتماد على توقعات غير دقيقة بشأن الحدود الدنيا للكليات، وتداول قوائم غير رسمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي دفع بعض الطلاب إلى إهمال رغبات كانوا قادرين بالفعل على الالتحاق بها. وفي المقابل، تأخر بعض الطلاب في تسجيل رغباتهم حتى الساعات الأخيرة، ما تسبب في ضغوط نفسية وأخطاء كان يمكن تجنبها بسهولة.
كما كشفت التجربة عن ضعف واضح في الثقافة المتعلقة بالتنسيق. فالكثير من الأسر ما زالت تنظر إلى الكليات من منظور تقليدي يعود إلى عقود مضت، بينما تغيرت خريطة سوق العمل بصورة كبيرة. لم تعد بعض الكليات التي كانت تمثل قمة الطموح قبل سنوات تضمن فرصة عمل كما كان الحال، في حين برزت تخصصات جديدة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والبرمجيات والأعمال الرقمية، أصبحت أكثر طلبًا محليًا وعالميًا.
ومن هنا تبدو أهمية الاستعداد الجيد قبل فتح باب التنسيق، وليس أثناءه فقط. فالطالب يحتاج أولًا إلى دراسة قدراته الشخصية وميوله الحقيقية، ثم الاطلاع على البرامج الدراسية المختلفة، وفرص العمل بعد التخرج، وطبيعة الدراسة داخل كل كلية، بدلاً من اتخاذ القرار تحت ضغط الأسرة أو تأثير الأصدقاء.
ويظل ترتيب الرغبات هو العامل الأكثر حساسية في عملية التنسيق. فالقاعدة الذهبية التي كثيرًا ما يغفلها البعض هي أن الطالب لا يخسر شيئًا بوضع الكليات التي يحلم بها أولًا طالما رتب بقية رغباته بعناية، لكن الخسارة الحقيقية تحدث عندما يهمل تسجيل رغبات مناسبة أو يضعها في ترتيب غير صحيح، فيفقد فرصة كان يمكن أن تكون من نصيبه.




