«الوزراء» يكشف انعكاسات انتهاء الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي

ارشيفية
ارشيفية

ارتبطت تداعيات الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز باضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، مع انعكاسات مباشرة على إمدادات النفط والغاز، والأوضاع المالية للدول. وانعكس ذلك على أداء الاقتصادات سواء المتقدمة أو الناشئة على السواء، وخاصة الدول المستوردة للطاقة.

كما أدت تقلبات الأسعار إلى ارتفاع التضخم وتراجع توقعات النمو العالمي، مع تفاوت التأثيرات بين الدول المتقدمة والنامية. وتكشف هذه الأزمة أهمية تعزيز المرونة في أسواق الطاقة، وتطوير البدائل، وتحسين استراتيجيات المخزون والإنتاج لمواجهة الصدمات الجيوسياسية المستقبلية.

 وفي هذا الصدد يشير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء انه مع انتهاء الحرب الإيرانية الأمريكية لابد من طرح كافه العوامل التي تركت بصمه لا يمكن تجاوزها علي الاقتصاد العالمي 
أولًا بدايه من تعطل الملاحة في مضيق هرمز، التي أدت معها الحرب إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عن المستويات الطبيعية بشكل حاد وغير مسبوق؛ حيث انخفض متوسط عدد السفن اليومية العابرة من نحو 129 سفينة خلال الفترة 1 - 27 فبراير إلى نحو 6 سفن فقط خلال شهر مارس 2026، بما يعادل انخفاضًا بنسبة 95%. وخلال شهري أبريل ومايو 2026، ارتفع متوسط عدد السفن اليومية العابرة بشكل طفيف ليصل إلى نحو 11 و9 سفن على الترتيب، كما هو موضح بالشكل (1)، وهو ما يعكس شبه توقف فعلي في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ويؤكد أن هذا الانقطاع يمثل صدمة مباشرة لسلاسل الإمداد العالمية، لا سيما في قطاع الطاقة.


 كما أظهرت بيانات الوكالة الدولية للطاقة تراجعًا حادًّا في السعة الأسبوعية للشحن في مضيق هرمز؛ حيث انخفض المتوسط المتحرك لسعة الشحن الأسبوعية في المضيق خلال عام 2026، من نحو 22.9 مليون طن متري خلال الفترة من 1 يناير إلى 27 فبراير إلى نحو 1.0 مليون طن متري فقط خلال الفترة من 28 فبراير إلى 7 يونيو، بما يعكس انخفاضًا يتجاوز 95% في حجم التدفقات، وهو ما يكشف عن هبوط مفاجئ وحاد في إجمالي السعة خلال 2026 من مستويات مستقرة نسبيًّا أوائل العام إلى مستوى منخفض جدًّا استقر عنده الأداء مع تذبذبات محدودة، نتيجة الصدمة القوية الناتجة عن إغلاق المضيق؛ ما أثر بشكل مباشر على حركة الشحن.

هذا، وقد أفاد "مجلس بحر البلطيق والملاحة البحرية الدولي" (BIMCO)، في 28 مايو 2026، أن أحجام ناقلات النفط الخام والمنتجات المكررة انخفضت بنسبة 13% خلال الأسابيع العشرة التي تلت بداية الصراع في الشرق الأوسط، وذلك مقارنة بالأسابيع العشرة التي سبقت الحرب.

وبحسب تقديرات المجلس، فإنه في حال استمر تعطّل عبور السفن عبر مضيق هرمز طوال عامي 2026 و2027، فإن السيناريو البديل يتوقع أن تنخفض طلبات ناقلات النفط الخام بنسبة تتراوح بين 11% و13% في عام 2026، على أن تنخفض أكثر بنسبة 8.5% إلى 10.5% في عام 2027. وشددت الرابطة على أنه "كلما طالت فترة إغلاق مضيق هرمز، اقتربت توقعات السوق من هذا السيناريو".

وفي السيناريو الأساسي لمجلس بحر البلطيق والملاحة البحرية الدولي، الذي يفترض إعادة فتح المضيق قبل نهاية يونيو، يُتوقع أن تنخفض طلبات ناقلات النفط الخام بنسبة 4% إلى 6% في عام 2026 قبل أن تعاود الارتفاع بنسبة 6.5% إلى 8.5% في عام 2027.

في سياق متصل، برزت تكاليف التأمين كأحد أبرز العوائق أمام عبور السفن عبر المضيق؛ فبعد اندلاع الحرب، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للمضيق بأكثر من 1000%. وكانت علاوات المخاطر قبل الحرب تتراوح بين 0.1% و0.3% من قيمة السفينة، ثم تضاعفت مع بداية الحرب لتصل إلى ما بين 2.5% و5% عقب الهجمات على السفن. وبالنسبة لناقلة نفط عملاقة (VLCC) تتراوح قيمتها بين 100 و150 مليون دولار، فإن ذلك يعني تكلفة إضافية تتراوح بين 2.5 و7.5 ملايين دولار للرحلة الواحدة.

أما بالنسبة لناقلات النفط المتوسطة (MR)، فقد بلغت أقساط التأمين الإضافية ضد مخاطر الحرب ما بين 80 ألفًا و120 ألف دولار لفترة سبعة أيام. ورغم تراجع هذه الأقساط بحلول أواخر مارس إلى ما بين 0.8% و1.5% مع استئناف بعض عمليات العبور المحدودة، فإنها ظلت أعلى بكثير من مستوياتها السابقة للحرب

و حول اضطرابات إمدادات النفط والغاز العالمية يُعَد الصراع الراهن في منطقة الشرق الأوسط عاملًا مهيمنًا في إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية؛ إذ تتكامل آلياته بين التوترات الجيوسياسية التي تعوق الإنتاج والتصدير، والمخاطر التشغيلية التي تهدد الممرات البحرية الحيوية، وصولًا إلى آثار انكماش المعروض على توازن الأسواق الدولية.

ووفق "الوكالة الدولية للطاقة" (IEA)، فقد تسبب الصراع في المنطقة في أكبر صدمة لأسواق النفط العالمية في التاريخ من حيث تعطيل التجارة عبر مضيق هرمز وتقليص التدفق الطبيعي للنفط والغاز، فيما وصفت مؤسسة "ستاندر آند بورز جلوبال إنيرجي سيرا" (S&P Global Energy CERA) الأمر بأنه "أحد أكثر الصدمات في الإمدادات النفطية منذ عقود"، فمقارنةً بالأحداث الجيوسياسية الأخرى التي كانت تؤثر غالبًا على مسارات التجارة العالمية فقط، تسببت الحرب الإيرانية في تقييد الإمدادات الفعلية، وتعطيل الخدمات اللوجستية عبر مضيق هرمز، وفرض إيقاف واسع النطاق لإنتاج النفط والغاز الطبيعي.

وتشير التحليلات إلى أن التوترات أدَّت إلى تقليص الإنتاج النفطي في عدد من الدول، وأجبرت بعض المنتجين على إغلاق أو تقييد إنتاج حقول النفط والغاز لديهم نتيجة عدم قدرتهم على شحن الإنتاج بالشكل المعتاد مع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز. وتُقدَّر "ستاندر آند بورز جلوبال إنيرجي سيرا" أن الإغلاق الفعلي للمضيق أثر على حقول يبلغ إجمالي إنتاجها حوالي 14 مليون برميل يوميًّا من النفط الخام والمكثفات.

وقد خفَّض كل من العراق والكويت الإنتاج في مرحلة مبكرة من الصراع، في حين أعلنت قطر حالة "القوة القاهرة" فيما يتعلق بقدرتها الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال البالغة 77.4 مليون طن سنويًّا. وقد انعكس ذلك على توقعات وكالة فيتش لإنتاج النفط لعام 2026؛ حيث من المتوقع أن تسجل البحرين أكبر تراجع في إنتاج النفط بنسبة 15.9% على أساس سنوي نتيجة تعطل مصفاة بابكو، يليها العراق بنسبة 14.6%، ثم الكويت بنسبة 11.2% وقطر بنسبة 8.5%؛ مما يعكس غياب مسارات تصدير بديلة فعالة.

وفي المقابل، تشير توقعات وكالة "فيتش" إلى تراجع أقل حدة في الإمارات العربية المتحدة بنسبة 6.3%، مع استقرار إنتاج المملكة العربية السعودية دون نمو أو انكماش ملحوظ. ويعود ذلك إلى قدرة البلدين على تجاوز المضيق عبر مسارات بديلة، إضافة إلى قصر فترات الإصلاح والتعافي ووجود مجال أكبر لزيادة الإنتاج خلال النصف الثاني من عام 2026. كما تتوقع الوكالة تراجع إنتاج إيران بنسبة 3.3% فقط، مستفيدة من سيطرتها التشغيلية الواسعة على المضيق خلال فترة الحرب، بينما يتوقع نمو الإنتاج في عُمان بنسبة 3.5%.

وتظهر تباينات مماثلة في قطاع الغاز الطبيعي، فمن المتوقع أن تسجل قطر أكبر انخفاض بنسبة 24.6% نتيجة اختناقات تصدير الغاز الطبيعي المسال والأضرار التي لحقت بخطي التسييل الرابع والسادس في رأس لفان. كما يُتوقع أن ينخفض إنتاج الغاز في العراق بنسبة 14% وفي البحرين بنسبة 10% نتيجة تراجع إنتاج الغاز المصاحب للنفط.

وتأتي الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك بانخفاض متوقع يبلغ 7% وإيران بنسبة 5.5% بسبب تراجع إنتاج الغاز المصاحب والهجمات التي استهدفت منشآت غاز رئيسة مثل حبشان وجنوب فارس. ومن المرجح أن يبقى إنتاج الغاز في المملكة العربية السعودية مستقرًّا إلى حد كبير بالتوازي مع إنتاج النفط، في حين تسجل عُمان نموًّا بنسبة 1%.

من منظور اقتصادي، فإن تراجع الإنتاج والتصدير دفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، ذلك أن التوترات انعكست أيضًا على كلفة الإنتاج وتشغيل المنشآت؛ إذ إن غالبية الحقول المنتجة في الشرق الأوسط تعتمد على أنظمة حقن مستمرة للحفاظ على الضغط المكمني.

ومن ثَمَّ، فأي انقطاع في الخدمة اللوجستية لا يؤثر فقط على الكميات التي يتم تصديرها، بل يعيد هيكلة توقيت الإنتاج؛ مما يجعل استئناف المستوى السابق للإنتاج أمرًا معقدًا وطويل المدى حتى بعد تهدئة الصراع؛ حيث تقدر "ستاندرد آند بورز جلوبال" أن الأمر قد يستغرق نحو أربعة أشهر لعودة ما يقرب من 80% من إنتاج فبراير 2026، مع امتداد التعافي الكامل إلى ما بعد ذلك الإطار الزمني.

في المقابل، تؤكد بيانات شركة "كبلر" (Kpler) المتخصصة في معلومات السلع، أن إغلاق مضيق هرمز منذ شهر مارس عزز من أهمية الإمدادات من أمريكا الجنوبية في مجال النفط؛ حيث سجلت تلك الدول مستويات إنتاج مرتفعة بشكل ملحوظ، وسجلت صادراتها الإجمالية أكبر مكسب سنوي على الإطلاق، لتتجاوز بذلك معدلات نمو إنتاج النفط في جميع المناطق الأخرى مجتمعة.

ومن بين الدول العشر التي حققت أكبر زيادة في صادرات النفط الخام حتى الآن في عام 2026، تصدرت الولايات المتحدة القائمة مسجلة زيادة تقارب 112 مليون برميل خلال الفترة من يناير إلى مايو مقارنة بالأشهر نفسها من عام 2025، فيما سجلت كل من البرازيل وجيانا وفنزويلا أكبر الزيادات السنوية التالية في شحنات النفط الخام هذا العام؛ حيث أضافت مجتمعةً نحو 145 مليون برميل.

وعند إضافة 12 مليون برميل أخرى من الأرجنتين، تتجاوز المكاسب التي حققتها هذه الدول الرئيسة 157 مليون برميل مقارنة بالعام السابق. وقد كانت هناك دولتان بمثابة المحركين الرئيسين لهذا التوسع الإقليمي، وهما: البرازيل وجيانا. وتُعَد البرازيل أكبر مُصدِّر في المنطقة منذ عام 2019، وهو العام الذي تفوقت فيه صادراتها على شحنات فنزويلا لأول مرة.

وتشير بعض التقديرات إلى أن الظروف مهيأة لتواصل أمريكا الجنوبية توسيع حضورها في سوق النفط، وترسيخ مكانة المنطقة كمصدر حيوي لإمدادات النفط خارج نطاق الشرق الأوسط.

اتصالًا، أشارت أحدث حسب آخر تقديرات "الوكالة الدولية للطاقة" في مايو 2026، إلى انخفاض إمدادات النفط العالمية بمقدار 1.8 مليون برميل يوميًّا إضافية في شهر أبريل لتصل إلى 95.1 مليون برميل يوميًّا؛ ليبلغ إجمالي الخسائر منذ شهر فبراير 12.8 مليون برميل يوميًّا. وقد بلغ حجم الإنتاج في دول الخليج المتأثرة بإغلاق مضيق هرمز مستوى يقل بمقدار 14.4 مليون برميل يوميًّا عن مستويات ما قبل الحرب، إلا أن زيادة الإنتاج والصادرات من منطقة حوض المحيط الأطلسي توفر بعض التخفيف من حدة الأزمة.

على جانب العرض، فإن التأخر في إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في منشآت التصدير في بعض دول الخليج قد يؤدي إلى تأخير طويل الأمد في قدرة التصدير المستقبلية؛ مما يؤثر على توقعات توازن السوق خلال السنوات القادمة؛ فقد أدى الصراع في الشرق الأوسط بالفعل إلى فقدان ما يقرب من 120 مليار متر مكعب من إمدادات الغاز الطبيعي المسال للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات القصيرة ومتوسطة الأجل على القدرة الإنتاجية.

وتمثل هذه الخسائر الناجمة عن الصراع نحو 15% من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية المتوقعة خلال تلك الفترة، مع توقعات بإمكانية تعويضها في نهاية المطاف بفضل بدء تشغيل مرافق جديدة لتسييل الغاز على المدى المتوسط.

وفي المقابل، من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط في عام 2026 بمقدار 1.1 مليون برميل يوميًّا مقارنة بالعام السابق، لكن من المتوقع أن يرتفع بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًّا في عام 2027، مع تراجع أسعار النفط والارتفاع التدريجي في إنتاج النفط في الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، أظهرت بيانات الوكالة الدولية للطاقة أن المخزونات النفطية العالمية شهدت انخفاضًا قدره 129 مليون برميل في مارس، وتبعه انخفاض إضافي قدره 117 مليون برميل في أبريل. واستمرت اضطرابات التجارة البحرية عبر مضيق هرمز في التأثير على المخزونات؛ حيث تراجع المخزون النفطي على اليابسة بمقدار 170 مليون برميل (-5.7 ملايين برميل يوميًّا) في أبريل، في حين شهد النفط الموجود على متن الناقلات (النفط العائم) ارتفاعًا بمقدار 53 مليون برميل.

وعلى صعيد الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، انخفضت مخزونات النفط على اليابسة بمقدار 146 مليون برميل (-4.9 ملايين برميل يوميًّا)، بينما تراجعت المخزونات في الدول غير الأعضاء بمقدار 24 مليون برميل.

اما بالنسبة لتقلبات أسعار الطاقة وآثارها الاقتصادية العالمية فقد تسببت الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإغلاق مضيق هرمز في موجة حادة من الاضطرابات الاقتصادية العالمية، انعكست بصورة مباشرة على أسعار الطاقة والغذاء والشحن؛ فمنذ بداية عام 2026، ارتفع سعر خام برنت بأكثر من 41% متجاوزًا مستوى 100 دولار للبرميل؛ حيث ارتفع من 72.5 دولارًا للبرميل في يوم 27 فبراير إلى 118.4 دولارًا للبرميل في 31 مارس 2026، مسجلًا بذلك أكبر زيادة شهرية على الإطلاق. ومنذ ذلك الحين، ظلت أسعار النفط متقلبة، كما هو موضح بالشكل (2)؛ حيث وصل سعر خام برنت إلى أعلى مستوى له خلال أربع سنوات عند 126.4 دولارًا للبرميل في وقت مبكر من يوم 30 أبريل 2026، قبل أن يتراجع ليسجل 114 دولارًا للبرميل في نهاية ذلك اليوم.

ومع ذلك، فقد تراجعت الأسعار في ظل التهدئة بين الجانبين في ظل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في 17 يونيو 2026، والتي تقتضي برفع الحصار البحري وضمان العبور الآمن للسفن في مضيق هرمز؛ حيث سجل سعر خام برنت 76.8 دولارًا للبرميل في نهاية تعاملات يوم 23 يونيو 2026، ليقترب بذلك من مستواه قبل اندلاع الحرب، والبالغ 72.5 دولارًا للبرميل.
 واتصالًا، فإن التحديثات الأخيرة لمؤسسة ستاندرد آند بوزر جلوبال للتوقعات الاقتصادية في تحديث يونيو 2026 تشير إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، والتي أفضت إلى تثبيت وقف إطلاق النار في المنطقة وإعادة فتح مضيق هرمز، تحُد من المخاطر التي كانت تحيط بأسواق الطاقة ولكنها لا تلغي آثار الاضطرابات السابقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه رغم توقيع مذكرة التفاهم لا تزال آفاق إمدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي محاطة بدرجة كبيرة من المخاطر؛ إذ قد تؤدي احتمالات تجدد التوترات العسكرية أو استهداف السفن التجارية أو استمرار المخاطر الملاحية إلى إبطاء عودة الصادرات والإنتاج إلى مستوياتها الطبيعية.
و انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة وإغلاق مضيق هرمز على معدلات التضخم والنمو عالميًّا: لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة على أسواق النفط والغاز وحدها؛ إذ تنتقل هذه الصدمة سريعًا إلى بقية مكونات الاقتصاد العالمي، بما يجعلها عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل توقعات التضخم والنمو. وقد أظهرت بيانات التضخم الصادرة خلال أبريل 2026 اتساع التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز؛ إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 0.6% على أساس شهري، وبنسبة 3.8% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2023.

كما ارتفع التضخم في الفلبين إلى 7.2% على أساس شهري مقارنة بـ 4.1% في مارس، بينما تسارع في تركيا إلى 32.4% بعدما كان 30.9% قبل شهر، في مؤشر على أن صدمة الطاقة بدأت تنتقل سريعًا إلى مختلف الاقتصادات، خاصة الدول المعتمدة على استيراد النفط والطاقة.

وعلى صعيد النمو العالمي، أظهرت بيانات مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن مؤسسة "ستاندرد آند بورز جلوبال" (S&P Global) خلال أبريل 2026 تحسنًا محدودًا في وتيرة النمو الاقتصادي العالمي بعد التراجع الحاد الذي سُجل في مارس مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن مستويات التوسع ظلت من بين الأضعف منذ العام الماضي؛ حيث تشير قراءات مؤشر مديري المشتريات إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي يتحرك عند معدل سنوي يتراوح بين 2.0 و2.5% خلال شهري مارس وأبريل الماضيين، بانخفاض عن نحو 3% في بداية عام 2026.

وتكشف هذه التقديرات أن صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز لم تعُد مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط؛ بل تحولت إلى عامل ضاغط على الاقتصاد العالمي عبر ثلاث قنوات مترابطة، والتي تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع الأساسية، وتصاعد الضغوط التضخمية، وتراجع توقعات النمو، مع بقاء الاقتصادات المستوردة للطاقة والأسواق الناشئة الأكثر عرضة لهذه التداعيات. مع تأكيدات مراقبين بأن أي سيناريو يتضمن العودة الكاملة لمستويات المخزونات والإنتاج وتدفقات التجارة إلى ما كانت عليه قبل الصراع، يجب أن يأخذ في الاعتبار إعادة الهيكلة الجزئية لسوق النفط العالمية التي حدثت بالفعل.

و حول تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الأوضاع المالية للدول:في الوقت الراهن، تمتد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى مختلف الدول وخاصة النامية؛ فقد أظهرت البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" أن 65 اقتصادًا من أصل 75 اقتصادًا من البلدان الأقل نموًا (LDCs) والدول الجزرية الصغيرة النامية (SIDS) تُعد مستوردًا صافيًّا للنفط، ويوجد بهذه الاقتصادات نحو 983 مليون نسمة، بينما يعيش أكثر من 30% من سكانها تحت خط الفقر المدقع، ويعني ذلك أن أي زيادة في تكاليف الطاقة تنتقل سريعًا إلى أسعار السلع والخدمات الأساسية، لتؤثر مباشرة على مستويات المعيشة والأوضاع الاجتماعية.

هذا، وتختلف شدة تأثير الأزمة الحالية من دولة إلى أخرى وفقًا لحجم الاقتصاد ودرجة الاعتماد على الواردات النفطية؛ ففي موريتانيا على سبيل المثال، قد تعادل الزيادة المتوقعة في فاتورة الاستيراد نحو 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبلغ 6.3% في غامبيا، و5% في بوركينا فاسو، و4.8% في ليبيريا، و4.3% في كل من زامبيا وليسوتو. وتمثل هذه النسب أعباء مالية كبيرة قد تؤثر في قدرة الحكومات على تمويل الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية.

أما بين الدول الجزرية الصغيرة النامية، فتظهر فانواتو والمالديف بين الأكثر تعرضًا للصدمات النفطية؛ حيث قد تصل الزيادة في فاتورة الواردات إلى ما يعادل 5.8% و5.2% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. كما تواجه دول أخرى مثل: مملكة تونجا، وموريشيوس، وفيجي، وساموا، وجامايكا، ضغوطًا ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما يعكس هشاشة هذه الاقتصادات أمام التقلبات الخارجية.

وتنعكس الزيادة في أسعار النفط على الاقتصاد بأكمله من خلال عدة قنوات مترابطة؛ فارتفاع تكاليف الوقود يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يرفع أسعار السلع المستوردة والمحلية على حد سواء. كما تنتقل هذه الضغوط إلى أسعار الغذاء والخدمات المختلفة، لتدفع معدلات التضخم إلى مستويات أعلى وتؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، خصوصًا في الدول التي تعاني أصلًا من انخفاض مستويات الدخل.
 

 
 
 

 

ترشيحاتنا