ناقشت اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث في مصر التى يشارك فيها المجلس القومى للمرأة قضية ارتفاع معدلات ختان الإناث ببعض المحافظات على يد الأطباء والممرضين ، وطرحت اللجنة فى اجتماعها إشكالية زيادة معدلات هذه الجريمة ببعض المحافظات رغم وجود عقوبات مشددة على مرتكبيها ، فما هى أسباب زيادة معدلات هذه المشكلة ببعض المحافظات رغم تجريم هذه العملية ؟وكيف يمكن علاجها ؟
قناعات خاطئة
تقول أ.د.دينا شكري، أستاذ الطب الشرعي بجامعة القاهرة ، عضو المجلس الإستشاري للطب الشرعي بالمحكمه الجنائيه الدوليه بلاهاي، وعضوة لجنتي الصحة والسكان والبحث العلمي بالمجلس القومي للمرأة: أن العديد من الأسر أصبحت تدرك المخاطر الصحية الجسيمة لختان الإناث عندما يُجرى على يد غير المؤهلين طبياً، إلا أن ظاهرة “تطبيب الختان” ما زالت تمثل تحدياً كبيراً.

معدلات عالية
فقد أظهرت نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2021: أن نحو 74% من حالات ختان الفتيات دون سن 19 عاماً تمت على يد أطباء، بينما تمت نسبة أخرى على يد ممرضين ، وهو ما يعكس استمرار اعتقاد بعض الأسر الخاطئ بأن إجراء الختان داخل منشأة صحية يجعله آمناً أو مقبولاً طبياً، رغم عدم وجود أي مبرر طبي لإجرائه.
الموروثات الاجتماعية:
وأكدت د. دينا : أن استمرار ختان الإناث يرتبط بمجموعة من الموروثات الثقافية والاجتماعية والمفاهيم المغلوطة المتوارثة عبر الأجيال، والتي يعتقد البعض أنها ترتبط بالدين أو بالعفة أو بالقبول المجتمعي، رغم تأكيد المؤسسات الدينية والطبية الرسمية عدم وجود سند ديني أو طبي لهذه الممارسة.
المسح الصحي:
وأوضحت: أن المسح الصحي للأسرة المصرية 2021، الذي شمل عشرات الآلاف من الأسر بمختلف المحافظات والمناطق الحضرية والريفية، أظهر انخفاضاً ملحوظاً في معدلات ختان الفتيات في الفئة العمرية (0–19 سنة)، حيث تراجعت النسبة إلى 14% عام 2021 مقارنة بـ21% عام 2014. كما انخفضت نسبة الفتيات المتوقع تعرضهن للختان من 56% إلى 27% خلال الفترة نفسها.
وفي المقابل، ما زالت نسبة الختان مرتفعة بين السيدات اللاتي سبق لهن الزواج، حيث بلغت نحو 86% عام 2021 مقارنة بـ92% عام 2014، كما ترتفع النسبة في محافظات الوجه القبلي لتصل إلى نحو 92%، وتبلغ 93.4% في ريف الوجه القبلي.
تطبيب الختان
و أضافت د. دينا : أن لجوء بعض الأسر إلى الأطباء أو الممرضين لإجراء الختان لا يغير من طبيعة الفعل أو مخاطره، إذ إن ختان الإناث ليس إجراءًا علاجياً أو وقائياً معترفاً به في المناهج الطبية أو الممارسات الصحية السليمة، بل يُعد شكلاً من أشكال العنف ضد الفتيات و انتهاكاً لحقوقهن الصحية والجسدية.
الأدلة التاريخية
وفيما يتعلق بالربط بين ختان الإناث والحضارة المصرية القديمة، أشارت د. دينا إلى أن هناك آراءً متعددة في هذا الشأن, إلا أن الأدلة التاريخية والأثرية المتاحة تكاد تجزم بأن ختان الإناث لم يكن ممارسة عامة لدى المصريين القدماء، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الادعاءات بحذر علمي والاعتماد على المصادر التاريخية الموثقة وأن ما يسمي بالختان الفرعوني هو محض إفتراء لمصلحة مايسمي سياسيا بالأفروسنتريك .
التعليم والتشريعات
وترى عضوة لجنتي الصحة والسكان والبحث العلمي بالمجلس القومي للمرأة: أن جهود مكافحة ختان الإناث تشمل رفع الوعي المجتمعي، وتدريب الكوادر الصحية، وإدماج موضوعات مناهضة الختان ضمن بعض البرامج التعليمية والتدريبية ذات الصلة، بالإضافة إلى تطبيق التشريعات الرادعة التي تجرم هذه الممارسة.
العقوبات القانونية
وينص القانون المصري ( قانون رقم 10 لسنة 2021) على معاقبة كل من يجري ختاناً لأنثى بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات، وتزداد العقوبة إذا ترتب على الفعل عاهة مستديمة أو وفاة المجني عليها. كما تشدد العقوبات إذا كان مرتكب الجريمة طبيباً أو من أفراد هيئة التمريض، إضافة إلى غلق المنشأة التي ارتكبت فيها الجريمة ، وكذا يعاقب بالحبس والغرامه من يأخذ الفتاه الي الختان ومن يشجع عليه وفقاً لأحكام القانون.
ارتفاع المعدلات
وتقول د. ميادة عبدالقادر رئيسة قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة الاسكندرية و مقررة لجنة المحافظات بالمجلس القومى للمرأة : أن مشكلة ارتفاع معدلات ختان الإناث لها محوران الأول أنه رغم جهود الدولة وسعيها بقوة نحو القضاء على تلك الظاهرة بالتوعية و العقوبات التى يقررها قانون العقوبات ، وكان آخرها تشديد العقوبة على من يرتكب هذه الجريمة من جنحة إلى جناية ، إلا أن أهم أسباب انتشار هذه الظاهرة هو العادات والتقاليد المتأصلة بداخل القرى والأرياف والمرتبطة بثقافة الأسر هناك ، ولذا يتوارث أهل هذه القرى والنجوع هذه العادات و يورثونها من جيل لآخر .
انخفاض عدد البلاغات
وتابعت رئيسة قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة الاسكندرية قائلة : أن الجانب الآخر فى مشكلة انتشار جريمة ختان الإناث هو انخفاض عدد البلاغات عن هذه الجريمة ،ويرجع السبب فى ذلك إلى أن أطراف هذه الجريمة تربطهم ببعض علاقة قرابة قوية ، فالفتاة التى سيتم إجراء عملية الختان لها أو المختنة لن تبلغ عن أبيها وتكون سبب فى حبسه.
صلة القرابة
و أضافت رئيسة قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة الاسكندرية: أن تشديد العقوبة لتصبح جناية و تغليظ العقاب كان هدفه الحد من هذه الظاهرة إلا أن "ضخامة" العقوبة قللت من البلاغات بصورة أكبر ، لأنه يصعب على الفتاة الضحية أن تبلغ عن أبيها أو أمها أو أخيها أو قريبها الذى يحاول ارتكاب تلك الجناية .
وأشارت مقررة لجنة المحافظات بالمجلس القومى للمرأة: أنه لابد من أعادة النظر فى العقوبة لعلاج تردد أهل الفتاة فى الإبلاغ عن مرتكب هذه الجريمة ،خاصة وأن هذه الجريمة ستسيئ للشخص المبلغ .
الرقابة على العيادات
وترى مقررة لجنة المحافظات بالمجلس القومى للمرأة: أن الوسيلة المثلى للقضاء على هذه الجريمة هو تشديد الرقابة على العيادات فى القرى والأرياف ، وزيادة الوعى لتحقيق التغيير الجذري بأفكار المواطنين ، لأن هذا التغيير لن يتم بصورة فجائية أو سريعة وإنما سيكون بشكل تدريجى ، لأن عادة " ختان الإناث "متأصلة فى المجتمع .
اللجنة الوطنية
وكانت قد عقدت اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث، برئاسة مشتركة بين المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة، اجتماعها الحادي عشر برئاسة المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة، ود. سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومى للطفولة والأمومة.
نتائج المسح
وأظهرت نتائج المسح الوطني لختان الإناث الذي قادته اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الإناث: أن 68% من القائمين بالرعاية في الفئة العمرية (35-39 عاماً) يعتقدون أن الختان ممارسة ضارة، مع ارتفاع هذه النسبة بين الفئات الأعلى تعليماً والأفضل اقتصادياً.
تفاوت بين قبلي وبحري
كما أظهر المسح تفاوتاً في الوعي بالمخاطر الصحية المرتبطة بالممارسة، حيث سجل أعلى مستوياته في حضر الوجه البحري وبين الفئات الأعلى ، بينما انخفض بشكل ملحوظ في ريف الوجه القبلي وبين غير الملتحقين بالتعليم والفئات الأقل اقتصادياً.
معرفة العقوبات
وكشفت النتائج أيضاً عن المعرفة بالعقوبات القانونية المرتبطة بالممارسة، إذ أشار 37% فقط من القائمين بالرعاية إلى معرفتهم بها، مع وجود فروق واضحة وفقاً للمستوى الاقتصادي. وأبرز المسح تزايد الدعم المجتمعي للتخلي عن ختان الإناث، حيث أبدى 60% من القائمين بالرعاية استعدادهم لدعم الأسر التي تقرر عدم إخضاع بناتها لهذه الممارسة، بما يعكس مؤشرات إيجابية نحو استمرار التغيير المجتمعي وتعزيز حماية الفتيات.
توجيهات الرئيس
وقالت المستشارة أمل عمار، رئيسة المجلس القومي للمرأة، أن الدولة المصرية تولي ملف القضاء على ختان الإناث اهتماماً بالغاً في إطار توجيهات الرئيس السيسي، انطلاقاً من الإيمان بأن حماية الفتيات حق أصيل، وباعتبار القضية إحدى الركائز الأساسية ضمن الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، خاصة في محور الحماية ومناهضة جميع أشكال العنف والممارسات الضارة ضد المرأة والفتاة.
نتائج واثر ايجابي
واستعرضت رئيسة المجلس أبرز نتائج حملة "احميها من الختان" التي انطلقت عام 2019، موضحة أن الجهود الإعلامية والرقمية للحملة حققت أكثر من 154.7 مليون وصول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ، تفاعل معها أكثر من 96 مليون سيدة وما يربو على 58 مليون رجل. ، فيما نفذ المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للطفولة والأمومة 5372 نشاطاً ميدانياً أسفرت عن أكثر من 30.5 مليون تواصل توعوي مباشر، إلى جانب مئات الأنشطة التي نفذتها مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية, مؤكدةً التأكيد على أهمية مواصلة العمل المشترك وتوسيع الشراكات مع مختلف الجهات المعنية للوصول إلى مجتمع خالٍ من ختان الإناث وضمان حماية حقوق الفتيات وسلامتهن الجسدية والنفسية.
تعامل فوري
وأكد المستشار هشام جعفر رئيس مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين بمكتب النائب العام، حرص النيابة العامة على تبني نهج استباقي وحاسم في التعامل مع بلاغات ختان الإناث، من خلال التعامل الفوري والجاد مع جميع البلاغات الواردة من الأسر أو الجهات المعنية بهدف منع وقوع الجريمة قبل حدوثها.
وأشار إلى نجاح النيابة في التدخل بعدد من الحالات قبل تنفيذ الواقعة، مستشهداً بحالة طفلة بادرت بالإبلاغ عن محاولة ختانها، بما يعكس تنامي الوعي المجتمعي بأضرار هذه الممارسة.
وأوضح أن التعامل مع الحالات التي يتم الإبلاغ عنها بعد وقوع الجريمة يواجه تحديات عدة، من بينها تراجع بعض الأسر عن أقوالها نظراً للطبيعة الأسرية للجريمة، رغم تشديد العقوبات القانونية المقررة لها. وشدد على استمرار جهود النيابة العامة في حماية الفتيات من ختان الإناث، من خلال تكثيف العمل الميداني وتعزيز دورها التوعوي والقانوني بالتعاون مع الجهات المعنية.



