في الوقت الذي سهلت فيه التكنولوجيا التواصل بين الناس ووفرت وسائل متعددة للحصول على المعلومات والترفيه، أصبحت أيضًا سببًا في ظهور نوع جديد من الخلافات داخل الأسر، فمع تزايد ساعات استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ومواقع التواصل الاجتماعي، بات كثير من أفراد الأسرة يقضون وقتًا أطول أمام الشاشات مقارنة بالوقت الذي يقضونه مع بعضهم البعض، ما أثر على طبيعة العلاقات الأسرية وأوجد فجوة في الحوار والتواصل المباشر.
الهاتف المحمول
قالت هناء محمود "ربة منزل وأم لثلاثة أبناء"، إن الهاتف المحمول أصبح سببًا دائمًا للخلافات في منزلها، خاصة خلال فترات الدراسة أو أثناء التجمعات العائلية.
وأضافت قائلة: "أحيانًا أجلس مع أبنائي على مائدة الطعام، لكن كل واحد منهم مشغول بهاتفه، وعندما أطلب منهم ترك الأجهزة لبعض الوقت تحدث مناقشات طويلة بسبب تعلقهم بها".
وأكد حسام السيد، "موظف وأب لطفلين"، فيرى أن المشكلة لا تقتصر على الأبناء فقط، بل تشمل الكبار أيضًا، موضحًا أن بعض الأزواج يقضون وقتًا طويلًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعد العودة من العمل، ما يقلل من فرص الحوار والتفاعل الأسري.

التكنولوجيا
قالت الدكتورة علياء عثمان أستاذ علم الاجتماع إن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست المشكلة، وإنما يكمن التحدي في طريقة استخدامها والوقت المخصص لها، فالاستخدام المفرط للأجهزة الذكية قد يؤدي إلى تراجع الحوار الأسري، ويفتح الباب أمام خلافات متكررة بين الآباء والأبناء أو بين الأزواج بسبب الانشغال المستمر بالشاشات.
وأضافت أن الأسرة كانت تعتمد في السابق على جلسات يومية تجمع أفرادها لتبادل الحديث ومناقشة تفاصيل الحياة اليومية، إلا أن الهواتف الذكية أصبحت تستحوذ على جزء كبير من وقت هذه الجلسات.
وأكدت أن وجود أفراد الأسرة في مكان واحد لا يعني بالضرورة وجود تواصل حقيقي بينهم، إذ قد يكون كل شخص منشغلًا بعالمه الرقمي الخاص، وهو ما يضعف الروابط الأسرية تدريجيًا ويؤثر على جودة العلاقات داخل المنزل.

الخلافات الأسرية
أوضح الدكتور على فؤاد، استشاري الصحة النفسية، أن أحد أبرز أسباب الخلافات الأسرية المرتبطة بالتكنولوجيا هو اختلاف وجهات النظر بين الآباء والأبناء بشأن عدد ساعات الاستخدام والمحتوى الذي يتم متابعته.
وأشار إلى أن كثيرًا من الآباء يشعرون بالقلق من قضاء أبنائهم ساعات طويلة على الإنترنت، بينما يرى الأبناء أن استخدام التكنولوجيا جزء أساسي من حياتهم اليومية، ما يؤدي أحيانًا إلى صدامات متكررة داخل الأسرة.
ويرى أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا قد يؤدي إلى شعور بعض أفراد الأسرة بالإهمال أو قلة الاهتمام، خاصة عندما يحل التواصل الرقمي محل الحديث المباشر، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الأسري.
ونصح لمواجهة هذه التحديات، بوضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية داخل المنزل، مثل تخصيص أوقات خالية من الهواتف أثناء تناول الطعام أو خلال الجلسات العائلية، إلى جانب تشجيع الأنشطة المشتركة التي تعزز التفاعل المباشر بين أفراد الأسرة.

الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا
وأكد على أهمية أن يكون الآباء قدوة لأبنائهم في الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا، لأن مطالبة الأبناء بتقليل وقت الشاشة لن تكون فعالة إذا كان الكبار أنفسهم يقضون معظم أوقاتهم أمام الهواتف والأجهزة الذكية.
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في الحياة اليومية، لكن الحفاظ على دفء العلاقات الأسرية يتطلب تحقيق توازن بين العالم الرقمي والعلاقات الإنسانية، فمهما تطورت وسائل الاتصال، يبقى الحوار المباشر والاهتمام المتبادل أساسًا لبناء أسرة متماسكة قادرة على مواجهة تحديات العصر.
اقرأ أيضا: «لمة العيلة»| عادة مصرية تتراجع أمام زحام الحياة



