أخر الأخبار

من الإدمان الرقمى إلى ما بعد الحقيقة | قراءة فى «الزمن الميدياتيكي»

صورة موضوعية
صورة موضوعية


في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا ينفصل عن تفاصيل الحياة اليومية، يطرح كتاب «الزمن الميدياتيكي.. معضلة الفضاء السيبرني» للدكتور عبدالله الزين الحيدري أستاذ علوم الإعلام والاتصال رؤية فكرية جديدة تحاول فهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والزمن في العصر الرقمي، وتكشف كيف تحوّل الفضاء السيبرني إلى قوة مؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك والقرار الإنساني.
ينطلق المؤلف الدكتور عبدالله الزين الحيدري من ملاحظة أساسية تتمثل في أن قضية الزمن، رغم أهميتها الكبرى، لم تحظَ بالاهتمام الكافي داخل دراسات الإعلام والاتصال، على الرغم من أن العمل الإعلامي يقوم في جوهره على إدارة الزمن وملاحقة الحدث الآني والتفاعل الفوري مع الجمهور، ومن هنا يحاول المؤلف سد هذه الفجوة المعرفية من خلال دراسة مفهوم الزمن في البيئة الرقمية الحديثة.
مفهوم الزمن
تناول المؤلف فى الفصل الأوّل من الكتاب، مفهوم الزّمن في أبعاده الفلسفيّة والفيزيائيّة، مع التركيز  على غياب الاهتمام بالمشكل الزّمني في أدبيات الإعلام والاتصال، على الرّغم من أنّ الصّناعات الإعلاميّة  والميدياتيكيّة بشكل عامّ، خاضعة برمّتها لمعادلات زمنيّة دقيقة من حيث الانشغال بالرّاهن في المقام الأوّل، ومن حيث المراحل التي تقطعها كصناعة تتقرّر من المصدر باتجاه الجمهور، وقد تمّ في هذا السياق استعراض أهمّ الأعمال العلميّة القليلة، المتفرّقة، في مجال الإعلام والاتصال، التي أولت موضوع الزّمن اهتماما أكاديميّا، خصوصا المجلاّت العلميّة الصادرة عن الجامعات أو مراكز البحوث.

التجارب الوجوديّة
وتمّ التطرّق في هذا الفصل إلى مناقشة التجارب الوجوديّة للزّمن، بدءً من الزّمن الشعري والأدبي فالزّمن الإعلامي والميدياتيكي، وصولا إلى الزّمن السيبرني الذي بدأ يتشكّل مع ظهور علم السيبرنتيك، وهو العلم الذي مهّد ظهور العوالم السيبرنيّة وشكّل نقطة تحوّل بارزة في تاريخ العلوم عزّزت مستوى التناهج بين التخصّصات العلميّة، وأحدثت نوعا من القرابة الإبستمولوجيّة بين العلوم الرياضيّة والفيزيائيّة والطبيعية من جهة، والعلوم الإنسانية من جهة أخرى.

السيبرنتيك
والحديث عن السيبرنتيك في هذا الفصل، أثار مشكلا فلسفيّا عميقا، مشكل الحاضر الوجودي، عندما تنزح الحياة الماديّة لتستقرّ في قلب اللاّمادي بكثافة من الوعي المزدوج، وعي بالحاضر الوجودي، ووعي بالحاضر السيبرني، فيكون الوجود في الحاضر السيبرني حينئذ، وجودا اضطراريّا حتميّا بما أنّ الفضاء السيبرني أصبح المحرّك الأساسي لإدارة الحياة الإنسانيّة، إدارة في الزّمن، تحدث باستمرار في تجاذب مقصود بين الآنيّة والتزامن.
واهتمّ الدكتور عبدالله الزين الحيدري فى الفصل الثاني من الكتاب، بتحليل الطبقات الزّمنيّة في الفضاء السيبرني: زمن الإدمان الرّقمي، وزمن القبائل، وزمن العشائر والذباب الإلكتروني، وزمن ما بعد الحقيقة، كما حلّل وناقش هذا الفصل المكوّنات الأنطولوجيّة للشبكة الفاعلة بوصفها إحدى الخصائص المركزيّة للفضاء السيبرني، وكشَف قصور نظريّة الشبكة الفاعلة في فهم وتفسير ديناميّة الفضاء السيبرني وذلك انطلاقا من إعادة طرح مشكلة الجوهر كمشكلة فلسفيّة تجاهلتها هذه النظريّة لتجنّب النقد الذي يطالها.

مشكلة الوعي
وطرح فى الفصل الثالث من الكتاب مشكلة الوعي في علاقتها بالتجربة الزّمنيّة السيبرنيّة، والوعي هنا هوّ وعي بتجربة الحاضر الوجودي بأبعاده الفيزيائيّة التقليديّة، ووعي بتجربة الحاضر السيبرني بأبعاده الرقميّة والافتراضيّة، ليس لنا أن نقول إنّنا هنا أو هناك، قد نكون هنا وهناك في الآن ذاته بشيء من الوعي المزدوج. لكن السِؤال المركّب المطروح في هذا الفصل، متى نكون هنا ومتى نكون هناك، وكيف لنا أن نكون بشكل متآن هنا وهناك؟ هذا التداخل المتعاظم بين الوجود الرّقمي والفيزيائي، يمثّل المحور الأساسي للفصل الثالث من الكتاب، حيث طبيعة وجودنا باتت تشبه إلى حدّ مّا مفهوم التراكب الكمّي الذي تقدّمه الفيزياء الحديثة، فكما يُمكن للجسم الكمّي أن يُوجد في حالتين مختلفتين في آن واحد، أضحينا، نحن البشر في هذا العصر، هنا وهناك معًا. 

الفيزياء رقميّة
وفى هذا الفصل، نجد هناك تدافع موجات فكريّة حول إمكانيّة صياغة لفيزياء رقميّة تنظر في اصطلاح جديد لمفاهيم الحركة والقوّة والكثافة والكتلة والجاذبيّة، ضمن إطار يجمع بين المادّي والافتراضي، فاليوم نحن  بصدد الحديث عن واقع سيبرني يحمل طبيعة ذاتيّة، له كتلة، كتلة بيانات ومعدّات، وله كثافة، كثافة كابلات وخوارزمات وتفاعلات، له طاقة، طاقة معلومات ومنصّات، له جاذبيّة، جاذبيّة محتوى وثقوب متعة سوداء إلكترونيّة، وله قوّة، قوّة استقطاب وضبط وتوجيه، له زمن، زمن ملتفّ، زمن شبكي  منزوع من جذوره الحيويّة. أوليست هذه مفردات الفيزياء الجوهريّة، التي من دونها لا يكون هناك علم اسمه فيزياء، بل أكثر من ذلك، لا يكون هناك شيء اسمه كون. 
فأنْ نرى هذا التطابق المثير بين الحالات الفيزيائيّة للكتلة والكثافة والقوّة والجاذبيّة، وحالاتها الميدياتيكية السيبرنيّة، فذاك ما يجعلنا نؤمن بوجود دروب آمنة تسلكها الفيزياء لتقديم مسارات يمكن اعتمادها لتفكيك الواقع السيبرني، وفهم تجارب الوجود فيه كمحرّك أساسي لإدارة الحياة الإنسانيّة، إدارة في الزّمن، تحدث باستمرار في تجاذب مقصود بين الآنيّة والتزامن.

القوانين السيبرنيّة
هنا تحديدا، موطن الخطورة، حين يختفي المكان من معادلة الإرادة والقرار، لتظلّ دفّة التغيير محكومة بالقوانين السيبرنيّة المرتبطة بنظام جمع المعلومات وإدارتها ومعالجتها، أي محكومة بتجربة الحاضر السيبرني كأفق مفتوح للسيطرة والنفوذ، يتحدّد في عمقه قرار الهدم والبناء، قرار الحياة والموت، وملكيّة هذا القرار هيّ أن يكون الوجود، هنا وهناك، في مفصل العلاقة بين الفضاء المادي والفضاء السيبرني، أي أن يكون الوعيُ وعيا بالهندسة الرّقميّة للواقع، العائمة برمتها في الفضاء الإلكتروني.

الفضاء السيبرني
وأشار المؤلف إلى أهميّة وخطورة الفضاء السيبرني كمجال استراتيجيّ، حيث يُعيد تعريف الحدود التقليدية للقوّة، فالقوّة اليوم، قوّة خامسة بعد قوّة الجاذبيّة، والقوّة الكهرومغناطيسيّة، والقوّتين النوويّتين، القويّة والضعيفة.
فالقوّة السيبرنيّة هيّ حين تكون المدخلات رقميّة والمخرجات نتائج ميدانيّة، هذا البعد التحويلي للقوّة هوّ ما سيكشف عن خطورة الرّهان الاستراتيجي الذي يمثله الفضاء السيبرني، كلّ شيء في هذا الفضاء يُمثّل قوّة متحفّزة للظهور. 

النقاشات العالمية
وتكمن أهمية الكتاب في أنه يلفت الانتباه إلى أن الفضاء السيبرني لم يعد مجرد وسيلة للتواصل أو تبادل المعلومات، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا تتنافس داخله الدول والمؤسسات والقوى الكبرى للسيطرة على تدفقات المعلومات وصناعة التأثير والنفوذ، فالقوة في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الموارد الاقتصادية أو العسكرية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على إدارة البيانات والتحكم في الفضاء الرقمي.
ويأتي هذا الطرح في وقت تتزايد فيه النقاشات العالمية حول الأمن السيبرني، والذكاء الاصطناعي، وتأثير المنصات الرقمية على المجتمعات، ما يجعل الكتاب مساهمة فكرية مهمة في فهم التحولات العميقة التي يعيشها العالم اليوم.
لذلك نجد «الزمن الميدياتيكي» يطرح سؤالًا مفتوحًا حول مستقبل الإنسان في عصر تتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراض، وبين الزمن المادي والزمن الرقمي، مؤكدًا أن فهم هذه التحولات لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم طبيعة الحياة المعاصرة ومستقبلها.

اقرأ أيضا: بين الرقمنة والإنسانية| «الذكاء الاصطناعي» يغزو المجال الطبي

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا