أخر الأخبار

بين بهجة مؤقتة واحتياج لا ينتهي | «يوم اليتيم» .. يوم ولاحد لايكفي

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

مع الاحتفال غدا بيوم اليتيم، تتجدد المشاهد المعتادة من زيارات وفعاليات تحمل في ظاهرها البهجة، بينما تفتح في عمقها تساؤلات أوسع حول حقيقة ما يُقدم لهؤلاء الأطفال، يوم يملؤه الضحك والهدايا، لكنه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على احتياجات لا تُقاس بلحظة فرح عابرة، بل بعلاقات ممتدة ودعم إنساني حقيقي.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم الرعاية، بحيث لا يظل يوم اليتيم مجرد مناسبة موسمية، بل نقطة انطلاق لفهم أعمق لعالم الطفل اليتيم، واحتياجاته النفسية والاجتماعية، وكيف يمكن أن يتحول الاهتمام من فعل مؤقت إلى مسؤولية مستمرة تصنع فارقًا حقيقيًا في حياته.

 

هندي : من المؤسسات للأسر البديلة : رحلة بحث عن الأمان النفسي


في هذا الصدد، يؤكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن تعرض الطفل في سنواته الأولى لمحتوى غير مناسب أو خبرات سلبية، يترك آثارًا عميقة على تكوينه النفسي، قد تمتد إلى الاكتئاب وضعف القدرة على بناء علاقات اجتماعية سليمة، مع تنامي مشاعر الخوف والريبة من الآخرين، وهو ما قد يدفع ببعض الحالات إلى سلوكيات منحرفة إذا غابت الرعاية الواعية.


بعض المؤسسات لا تقدم الرعاية المطلوبة بالشكل الكافي للأطفال اللأيتام بحسب حديث دكتور وليد، خاصة في ظل غياب المتابعة الفعلية، حيث يتحول الدور أحيانًا إلى مجرد التزام وظيفي بالحضور والانصراف، دون احتكاك حقيقي بحياة الطفل واحتياجاته، ما ينعكس سلبًا على نموه النفسي والسلوكي.


لافتا إلى أن التراخي الإداري داخل بعض دور الرعاية يخلق بيئة غير آمنة، تفتقر إلى الاحتواء والدعم، وهو ما قد يحرم الطفل من فرص بناء شخصية متوازنة، وعلى الجانب الآخر، يتمتع الطفل اليتيم غالبًا بقدرات كامنة، وخيال واسع، وطموح يدفعه للإنجاز، وهو ما تؤكده دراسات عدة أشارت إلى أن نسبة ملحوظة من المبدعين كانوا من الأيتام، حال توافر بيئة داعمة.


وفيما يتعلق بالبدائل الحديثة، أوضح هندي أن نظم الكفالة والاحتضان والأسر البديلة تمثل تحولًا مهمًا في فلسفة رعاية الأيتام، حيث تتيح للطفل فرصة النمو داخل بيئة أسرية طبيعية، توفر له الإحساس بالأمان والانتماء، بدلًا من العيش داخل أطر مؤسسية جامدة.


لافتا إلى أن دوافع الأسر نحو كفالة الأطفال متعددة، من بينها الرغبة في إشباع غريزة الأمومة أو الأبوة، أو تعويض عدم القدرة على الإنجاب، إلى جانب البحث عن الأُنس في مراحل عمرية متقدمة، أو حتى الرغبة في ترك أثر إنساني ممتد عبر تربية طفل.


وفيما يخص التأثيرات النفسية، أكد استشاري الصحة النفسية أن وجود الطفل داخل أسرة داعمة يسهم في إشباع احتياجاته العاطفية، مثل الحب والأمان والتقدير، كما يساعده على التكيف الاجتماعي، ويقلل من مستويات القلق والضغوط، ويعزز نظرته الإيجابية للمستقبل بعد أن كانت تتسم بالتشاؤم.


وفي الإطار نفسه، يشدد على أهمية توفير بيئة تربوية متكاملة داخل الأسرة الكافلة، تشمل الدعم التعليمي والتوجيه السلوكي، إلى جانب غرس القيم والمسؤولية الاجتماعية، بما يضمن إعداد طفل قادر على الاندماج في المجتمع بشكل سليم.


وفيما يتعلق بضوابط الكفالة، شدد على ضرورة توافر شروط أساسية في الأسرة، من بينها الاستقرار المادي، وتوفير مسكن ملائم، والوعي الثقافي والتربوي، مع تجنب أي ممارسات قد تضر بالطفل مثل عمالة الأطفال أو التمييز بينه وبين غيره.


محتتما أن دور المؤسسات لا ينتهي عند تسليم الطفل للأسرة، بل يمتد إلى المتابعة المستمرة من خلال زيارات دورية وتقارير تقييم، لضمان حصول الطفل على رعاية صحية ونفسية سليمة، وتحقيق الهدف الأساسي من الكفالة.


إيمان عبدالله: من الاحتفال إلى الاحتواء| كيف نصنع إنسانًا لا جرحًا جديدًا؟
 

وترى الدكتورة إيمان عبد الله، الاستشاري الأسري، أن المشهد المتكرر سنويًا من زيارات واحتفالات سريعة يغلب عليه الطابع الشكلي، أكثر من كونه استجابة حقيقية لاحتياجات الأطفال، مؤكدة أن هذه المناسبة تحتاج إلى إعادة نظر جذرية في فلسفة التعامل مع الطفل اليتيم.


وعن احتياجات الطفل، تشير إلى أنها لا تتوقف عند حدود الهدايا أو الدعم المادي، بل تمتد إلى ما هو أعمق، حيث يمثل الإحساس بالانتماء واستعادة الكرامة الركيزة الأساسية، فالطفل لا ينتظر يومًا في العام ليتلقى بعض الحلوى، بل يحتاج إلى علاقة ممتدة تشعره بأنه جزء من حياة حقيقية، وليس مجرد محطة عابرة في جدول زيارات موسمية.


وعن شكل الاحتفال، توضح عبد الله أن النمط القائم على الشفقة قد يترك آثارًا عكسية، إذ يعزز لدى الطفل شعورًا بالنقص والاختلاف، وعن البديل تطرح توجهًا مختلفًا يقوم على تحويل هذا اليوم إلى مساحة للاحتفاء بإنجازات الأطفال، من خلال إبراز مهاراتهم وأعمالهم الفنية واليدوية، بحيث يكون التقدير لما يقدمونه، لا لظروفهم.


أما الدعم المطلوب لهم فتؤكد أن الاستمرارية تمثل العامل الأهم في تحقيق التوازن النفسي، حيث إن وجود شخص ثابت في حياة الطفل، يتابعه ويشاركه تفاصيل يومه، يمنحه شعورًا بالأمان يفوق في تأثيره أي دعم مؤقت، حتى وإن بدا بسيطًا.


لافتة إلى ما يعرف بصدمة التعلق، حين يرتبط الطفل بشخص يقدم له اهتمامًا مكثفًا ثم يختفي فجأة، ما يترك داخله تساؤلات مؤلمة حول ذاته وقيمته، ويعمق شعور الفقد لديه، موضحة أن الأطفال لا يتعاملون مع هذا الشعور بنفس الطريقة، خاصة في المراحل العمرية المبكرة، حيث تختلط المفاهيم، وقد يتولد شعور بالذنب أو خوف من تكرار الفقد، وهو ما يجعل تقليل الصدمات المتتالية الناتجة عن العلاقات غير المستقرة أمرًا ضروريًا.


وفيما يتعلق بالحياة اليومية داخل دور الرعاية، تشير إلى أهمية وجود نظام ثابت يشمل مواعيد النوم وتنظيم الوجبات، إلى جانب جدول واضح للأنشطة، مع التنبيه المسبق بأي تغيير، لما لذلك من دور في تقليل القلق وتعزيز الإحساس بالأمان.


وعن الجانب النفسي، تؤكد دكتورة إيمان ضرورة تعليم الأطفال مهارات تنظيم المشاعر، خاصة ما يتعلق بالغضب أو الانسحاب أو التعلق الزائد، معتبرة أن التعبير الآمن عن المشاعر خطوة أساسية نحو بناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل مع المجتمع.


مشيرة إلى عدد من الممارسات السلبية تترك آثار سلبية ممتدة، من بينها الإهمال العاطفي، التغيير المستمر في الأشخاص، الشفقة الزائدة، إطلاق وعود غير قابلة للتنفيذ، والمقارنة بالآخرين.


مؤكدة ‘لى أهمية وضرورة دمج الأطفال الأيتام ، قائلة " مشاركتهم في أنشطة تعليمية ورياضية مشتركة مع أقرانهم تساهم في تقليل الشعور بالعزلة، وتعزز لديهم الإحساس بالمساواة والانتماء".


مختتمة أن الرسالة من «يوم اليتيم» لابد أن تتحول من مناسبة رمزية إلى نقطة انطلاق نحو دعم حقيقي ومستدام، يهدف إلى بناء إنسان قادر على الحياة بثقة، لا مجرد طفل ينتظر زيارة تنتهي سريعًا.
 

اقرأ أيضا : قدم لهم الهدايا والعيدية.. محافظ القليوبية يشارك فتيات مؤسسة اليتيمات بقليوب فرحة العيد

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا