رغم وجود الكثير من العادات والطقوس الرمضانية، إلا أن شهر رمضان لم يعد كما كان قبل عقود، فمع التطور التكنولوجي المتسارع وانتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي تغيرت الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، وانعكس ذلك بشكل واضح على عادات وطقوس الشهر الكريم، وبين ذكريات الماضي ومظاهر الحاضر، تتباين آراء المواطنين حول طبيعة هذه التغيرات وما إذا كانت أثرت على روح رمضان أم أضافت له أشكالاً جديدة من التواصل.
الحاج ابراهيم عبدالله 70 عاما يتذكر رمضان في الماضي قائلا "زمان كان رمضان ليه طعم مختلف، كنا نستنى المدفع ونجتمع كلنا حول السفرة، وبعد الإفطار الناس كانت تخرج تزور بعض، والأطفال يلعبوا في الشارع حاملين الفوانيس ذات الشمعة، ويغنوا الأغاني الرمضانية".
موضحا أن مظاهر البساطة كانت سمة أساسية في رمضان قديمًا، حيث كانت العلاقات الاجتماعية أكثر دفئًا، وكان الجيران يتبادلون الأطباق بشكل يومي تقريبًا، مؤكدًا أن التكنولوجيا رغم أهميتها أثرت إلى حد ما على هذه الروح الجماعية، لافتا إلأى أنه اليوم الكل يأتي حتى في التجمعات حاملا هاتفه المحمول في يده، ومشغول بالنظر به طوال الوقت، قائلا "كل واحد ماسك الموبايل، حتى بعد الفطار بدل ما نتكلم مع بعض بنقعد على السوشيال ميديا".
وتؤكد الحاجة فاطمة حسن ربة منزل 73 عاما أن رمضان قديما في بلدتها كان مختلف تماما عن رمضان الذي عاشته في المدينة منذ أن تزوجت وانتقلت اليها، قائلة "كنا في بلدنا نسهر حتى قدوم المسحراتي ونستيقظ مبكرا، ونلهو في الشارع حتى آذان المغرب، وكانت كل بيوت البلدة بيوتنا، فكانت كلها لأعمامي وأخوالي، وكان طوال الشهر بيتنا مفتوح للضيوف سواء من العائلة أو حتى من الغرباء الذين يمرون ببلدنا وقت الإفطار".
أما أم محمد 55 عامًا فتشير إلى أن بعض العادات القديمة ما زالت موجودة لكنها أصبحت أقل انتشارًا، قائلة "العزومات العائلية كانت زمان أساسية في رمضان، وكنا نزور بعض بشكل مستمر، دلوقتي بقى الوقت أسرع والناس مشغولة أكتر، لكن برضه في أسر بتحاول تحافظ على العادات دي".
وتضيف أن التسوق أيضًا تغير كثيرًا، فبعد أن كانت الأسواق الشعبية هي المقصد الرئيسي لشراء مستلزمات رمضان، أصبح الكثيرون يعتمدون على المتاجر الكبيرة أو حتى التطبيقات الإلكترونية لشراء احتياجاتهم بسهولة.
في المقابل، يرى مهند محمود 26 عاما أن التكنولوجيا سهلت الكثير من الأمور في حياة الناس خلال رمضان، قائلا " دلوقتي بقى سهل نعرف مواعيد الصلاة والإمساك من التطبيقات على الموبايل، وكمان نقدر نتواصل مع أهلنا وأصحابنا في أي وقت حتى لو في بلد تانية".
مؤكدا أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من أجواء الشهر، حيث يتبادل الناس التهاني والصور الرمضانية، إضافة إلى متابعة البرامج والمسلسلات عبر المنصات الرقمية بدلًا من الالتزام بمواعيد البث التقليدية.
أما أميمة ممدوح 45 عامًا فترى أن التغيير الذي حدث في عادات رمضان لا يمكن فصله عن التطور الطبيعي للحياة، موضحة " التكنولوجيا غيرت كل حاجة في حياتنا مش بس رمضان، لكن في نفس الوقت ليها مميزات، زي إن الناس تقدر تسمع دروس دينية أونلاين أو تتابع ختمات القرآن من خلال التطبيقات".
وترى أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها، مؤكدًا أن الحفاظ على روح رمضان يتطلب تحقيق نوع من التوازن بين استخدام الوسائل الحديثة والاهتمام بالتجمعات العائلية والعبادات.
من جانب آخر، يرى بعض الشباب أن التكنولوجيا أضافت أجواء جديدة للشهر الكريم، حيث أصبحت المشاركة في المبادرات الخيرية أسهل من خلال الحملات الإلكترونية، كما أصبح الوصول إلى المحتوى الديني أكثر سهولة عبر الإنترنت، فيقول كريم مصطفى 22 عامًا " السوشيال ميديا ساعدت في نشر أفكار جميلة في رمضان، زي حملات إفطار الصائم أو التبرعات، وكمان بقت وسيلة نعرف بيها فعاليات وأنشطة كتير".
ورغم هذه التغيرات، يتفق كثير من المواطنين على أن جوهر رمضان ما زال كما هو، حيث يبقى شهرًا للعبادة والتقارب الأسري ونشر روح المودة بين الناس.
ويؤكد مصطفى عبد الرحمن 40 عاما أنه في ظل هذا التحول بين الماضي والحاضر، يواصل رمضان التكيف مع كل جيل بطريقته الخاصة، فبين صوت المسحراتي الذي ما زال يجوب بعض الأحياء القديمة، وإشعارات الهواتف الذكية التي تذكر بمواعيد الصلاة، تتداخل مظاهر الزمنين لتصنع ملامح رمضان المعاصر.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الأجيال الجديدة هو الحفاظ على روح الشهر الكريم وقيمه الأساسية، مع الاستفادة من مزايا التكنولوجيا دون أن تطغى على الدفء الاجتماعي الذي لطالما ميّز ليالي رمضان في المجتمع المصري.
اقرأ أيضا : من أرشيف الحكايات | لمة رمضان ملاذ القلوب




