أخر الأخبار

المسحراتي| حارس السَّحور وذاكرة رمضان الحيّة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

رغم وجود المنبهات والتليفونات التي بات الناس يعتمدون عليها للاستيقاظ من أجل السحور، إلا أن «المسحراتي» لايزال له وجوده وبهجته، ينتظره الأطفال يوميا لينادي بأسمائهم للاستيقاظ للسحور، ومنهم من يلتف حوله وهو يجوب الشوارع خاصة في المناطق القديمة، فهو واحدة من أهم وأبرز سمات الشهر الكريم والتي رغم التطور الذي نعيشه في كل شيء لم تنقرض وتتلاشى.


وللمسحراتي تاريخ وأصول من زمن بعيد، ففي الأزقة القديمة، قبل أن توقظنا منبّهات الهواتف المحمولة، كان صوت الطبل الخافت يتسلّل إلى النوافذ، تتبعه عبارة «اصحى يا نايم وحد الدايم»، وكان هذا مشهد يتكرر كل عام دون كلل أو ملل منه، بطلُه «المسحراتي»، وهو أحد أكثر الطقوس الشعبية رسوخًا في ذاكرة شهر رمضان، وواحد من الرموز التي قاومت تبدّل الأزمنة وظلّت شاهدة على تطوّر المجتمعات العربية والإسلامية.


جذور الفكرة الأولى
يرتبط ظهور المسحراتي بالحاجة العملية لإيقاظ الناس لتناول السحور، الوجبة التي تسبق آذان الفجر، وتذهب روايات تاريخية إلى أن البدايات الأولى كانت في صدر الإسلام، حيث كان الصحابي بلال بن رباح يرفع الآذان قبل الفجر ليُنبه الناس إلى قرب الإمساك، بينما كان الآذان الثاني يرفعه عبد الله بن أم مكتوم عند دخول الوقت، ومع اتساع المدن الإسلامية وتعقّد الحياة العمرانية، لم يعد الأذان وحده كافيًا لإيقاظ الجميع، فظهرت الحاجة إلى من يجوب الشوارع خصيصًا لهذه المهمة.


من النداء إلى المهنة
وتشير المصادر التاريخية إلى أن فكرة "المسحراتي" تعود إلى القرن الـ12، وتحديدًا عام 853 ميلادية، حينما انتقلت مهمة المسحراتي إلى مصر، فكان ‏والي مصر العباسي، إسحاق بن عقبة، أول من طاف شوارع القاهرة، ليلًا في رمضان لإيقاظ أهلها لتناول ‏طعام السحور.


ففي العصر العباسي، تطورت الممارسة أكثر، فاستُخدمت الطبول والدفوف لجذب الانتباه، وبدأ المسحراتي يردّد عبارات مسجوعة وأدعية وأبياتًا قصيرة، يخصّ بها كل بيت باسمه أحيانًا، فيقول: «يا فلان قوم تسحّر، رمضان كريم»، هذا البعد الشخصي عزّز علاقة الألفة بين المسحراتي وبين السكان، حتى غدا واحدًا من وجوه الحي المألوفة.


ومنذ ما يقرب من ألف عام، وتحديدًا في عصر الدولة الفاطمية، أمر الحاكم بأمر الله، الناس أن يناموا مبكرا بعد صلاة التراويح، وكان الجنود يمرون على المنازل ويدقون أبوابها ليوقظوا المسلمين للسحور، حتي تم تعيين رجلا للقيام بتلك المهة، أطلفوا عليم اسم "المسحراتى"، كان يدق الأبواب بعصًا يحملها قائلاً: "يا أهل الله قوموا تسحروا".


المسحراتي في مصر.. طابع خاص
في مصر اكتسبت شخصية المسحراتي طابعًا فنيًا مميزًا، فإلى جانب الطبل، ارتبطت به العبارات الإيقاعية والابتهالات الشعبية، وأحيانًا ارتداء زيّ تقليدي يميّزه عن غيره، ومع دخول الإذاعة والتلفزيون في القرن العشرين، انتقلت الشخصية من الشارع إلى الأثير، وخلّدها عدد من الفنانين، أبرزهم سيد مكاوي الذي قدّم شخصية المسحراتي في عمل إذاعي شهير كتب كلماته الشاعر فؤاد حداد، فصارت حلقاته جزءًا من طقوس رمضان اليومية لدى ملايين المصريين.


لم يعد المسحراتي مجرد مُوقظ للنائمين، بل تحوّل إلى راوٍ شعبي يقدّم حكمًا وقيمًا وأحداثًا تاريخية بلغة بسيطة، ممزوجة بروح الدعابة، وبذلك انتقلت وظيفته من التنبيه إلى التثقيف والتسلية، في تجسيد لمرونة التراث الشعبي وقدرته على التطور.


بين الحضور والغياب
مع تطوّر وسائل الحياة الحديثة، تراجع الدور العملي للمسحراتي، فالمنبّهات الإلكترونية، والإضاءة المستمرة في المدن، وتغيّر أنماط النوم والعمل، كلها عوامل قلّصت الحاجة إليه بوصفه وسيلة إيقاظ، في بعض الأحياء الحديثة غاب صوته تمامًا، بينما لا يزال حاضرًا في المناطق الشعبية والقرى، حيث يحرص السكان على بقائه بوصفه تقليدًا رمضانيًا أصيلاً.


وغيابه الجزئي لا يعني اندثاره، إذ تحرص بعض المؤسسات الثقافية والمحافظات على إحياء هذه المهنة خلال الشهر الكريم، من خلال تنظيم فعاليات تراثية ومسابقات لأفضل مسحراتي، حفاظًا على الهوية الشعبية المرتبطة برمضان.


أصول الكلمة ودلالتها
يرجّح باحثون أن كلمة «مسحراتي» مشتقة من «السَّحَر»، أي الوقت الذي يسبق الفجر، أو من «التسحير» بمعنى إيقاظ الناس لتناول السحور، وفي بلاد الشام والمغرب العربي، عُرفت تسميات أخرى للشخص نفسه، مثل «الطبّال» أو «أبو طبيلة»، ما يعكس تنوّع التعبير عن الوظيفة نفسها عبر البيئات المختلفة.


رمز اجتماعي يتجاوز الوظيفة
تكمن قيمة المسحراتي في رمزيته أكثر من وظيفته، فهو يجسّد روح الجماعة في رمضان، ذلك الشهر الذي تتعزّز فيه الروابط الاجتماعية، وحين كان يمرّ ليلًا، كانت الأبواب تُفتح والنوافذ تُضاء، ويتبادل الناس التحية والدعاء، في مشهد يعكس تماسك النسيج الاجتماعي.


كما مثّل مصدر رزق موسمي لبعض البسطاء، إذ اعتاد الأهالي مكافأته في نهاية الشهر بما تيسّر من مال أو طعام، في تقليد يعكس التكافل الاجتماعي.


ذاكرة لا تغيب
ورغم تغيّر ملامح المدن وتبدّل إيقاع الحياة، يبقى صوت المسحراتي حاضرًا في الوجدان الجمعي، قد لا نحتاجه اليوم كي نستيقظ، لكننا نحتاجه لنستعيد صورة رمضان كما عرفه الآباء والأجداد: شهرًا تُضاء لياليه بالألفة، وتتعانق فيه الأصوات بالدعاء.

 

اقرأ أيضا : من أرشيف الحكايات | لمة رمضان ملاذ القلوب

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا