مع بزوغ هلال شهر رمضان المبارك، تتحول البيوت المصرية إلى خلايا نحل لا تهدأ، حيث يمثل «إفطار اليوم الأول» دستوراً غير مكتوب يجمع شتات العائلات حول مائدة واحدة، نستعرض في هذا التقرير طقوس الطعام لدى المصريين والتي تتوارثها الأجيال لهذا اليوم الخاص في الكثير من الروحانيات والعادات المتباينة.
«البط والمحاشي» السيادة للموروث
من أكثر الأكلات انتشارًا على سفرة المصريين في هذا اليوم «البط والمحاشي» والتي لها جمهور كبير، فتؤكد زينب علي، ربة منزل من محافظة المنوفية، أن مائدة اليوم الأول تخضع لترتيبات تبدأ قبل أسابيع، قائلة "لا نعتبر اليوم الأول من رمضان قد بدأ فعلياً إلا إذا تصدر "ذكر البط" المشوي مائدة الإفطار، محاطاً بلفائف المحاشي المتنوعة"، مضيفة أن هذه الوجبة ليست مجرد طعام، بل هي رمز للكرم والاحتفاء بقدوم الضيف الكريم.
وعلى الصعيد نفسه، يرى محمد محمود موظف من القاهرة، أن المائدة المصرية تمتاز بالتنوع بين مختلف الأصناف المصرية الأصيلة، مابين محاشي وبشاميل وبط وغيرها، مؤكداً أنهم اعتادو على تجمع العائلة الكبيرة في بيت الجد قائلا "هذا التجمع هو القيمة الأسمى لهذا اليوم".
مضيفا "برغم الظروف الاقتصادية، نحرص على الحفاظ على هذا التقليد السنوي الذي يجمع الإخوة والأحفاد، ونحاول تدبير احتياجاتنا عبر الأسواق المدعومة والمجمعات الاستهلاكية، وقد اعتدنا أن تكون سفرة هذا اليوم مابين مكرونة بشاميل ومحاشي ولحوم".
طقوس كسر الصيام| «الخشاف» سيد الموقف
وعند اقتراب أذان المغرب، يلتف المصريون حول أكواب «الخشاف»، وهو الخليط التقليدي للتمر والفواكه المجففة، فتقول ريهام خليل ربة منزل أنه لابد من تحضير مشروب الخشاف خاصة في اليوم الأول من رمضان، وهو ما ينتظره الجميع بلهفة، ولا يمكن أن يتنازل والدها عن كوب الخشاف عند رفع آذان المغرب، والذي يتم تحضيره قبل المغرب بساعات من غسل البلح ونقعه في الماء ومن ثم الفواكه المجففة والمكسرات المختلفة.
ويوضح أحمد العطار أحد العاملين في تجارة العطارة "الطلب على البلح والياميش يرتفع بشكل قياسي قبل اليوم الأول، فالصائم المصري يفضل كسر صيامه وفقاً للسنة النبوية بتناول التمر والماء أولاً".
ويشير العطار إلى أن أسواق 2026 شهدت إقبالاً ملحوظاً على الأصناف "الشعبية" من قمر الدين والبلح، حيث يتراوح سعر كيلو البلح النصف جاف حول 45 جنيهاً، ما يجعلها في متناول الأسر المتوسطة.
ما بعد الإفطار| صراع «الكنافة والقطايف»
لا تكتمل لوحة السفرة الرمضانية دون الحلويات الشرقية، ويؤكد المواطنون أن جلسات السمر بعد صلاة التراويح تزدان بأطباق الكنافة والقطايف، ويقول عمر يوسف، طالب جامعي "مهما ظهرت أنواع حديثة من الحلويات المغطاة بالشيكولاتة أو الكريمة، تظل الكنافة التقليدية التي تصنعها والدتي بالمنزل هي الأشهى، وترافقها دائماً أكواب الشاي بالنعناع".
التكافل الاجتماعي و«الطبق الدوار»
بعيداً عن الأطباق الدسمة، يبرز الجانب الروحاني والاجتماعي، حيث يتحدث المواطنون عن ظاهرة «تبادل الأطباق» بين الجيران، أو ما يعرف شعبياً بـ «الطبق الدوار»، وهو ما يعزز أواصر المحبة، كما تنتشر «موائد الرحمن» في الشوارع والميادين، لتعكس حالة التكافل التي تميز المجتمع المصري في هذا الشهر الفضيل.
فمائدة اليوم الأول في رمضان مصر ليست مجرد استعراض للأصناف، بل هي ظاهرة اجتماعية تؤكد قدرة المصريين على الفرح، واستعادة الدفء العائلي، والتمسك بالهوية رغم تعاقب السنين.
اقرأ أيضا: هلال يقترب| الشوارع تتزين والبيوت تستعد لإستقبال رمضان




