فتيات يروين حكايات مابين «انتظار قاسٍ» و«نهاية سريعة»

الهروب من «شبح العنوسة» إلى «وصمة الطلاق المبكر»| (1)

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يكن في حسبانها أنها ستتزوج 3 مرات، وتحصل على لقب مطلقة قبل أن تنهي عقدها الثالث من عمرها، مع ضغوط الأهل قبلت أميرة محمود «اسم مستعار»، أن تتزوج للمرة الأولى من ابن خالتها قبل أن تصل عامها العشرين، فقد تزوج أبناء إخوالها، وجيرانها قبل أن يصلوا لهذا السن، ولم يتبقى مما في عمرها دون زواج سواها، والقليل من البنات اللاتي ينتظرن نصيبهن «على أحر من الجمر»، حتى لا يقعن تحت مقصلة لقب «عانس» أو «فاتها القطر».

 

أمام هذه الضغوط المزمنة، رضخت الفتاة العشرينية لرغبة والدتها وشقيقها الأكبر، وقبلت أن تتزوج ابن خالتها، وهي في العشرين من عمرها، ولم تكد تمر سوى أيام أيام تعد على أصابع اليد، ونشبت الخلافات بينهما دفعتها للعودة إلى منزل والدها. وكما جرت العادة تدخل الأهل للصلح وإعادتها إلى منزل زوجها، خشية «القيل والقال»، خاصة وأنه لم يمر على زواجها سوى أسابيع معدودة. وبعد عودتها تصاعدت الخلافات بينهما ووصلت حد «الضرب والإهانة»، لينتهي بها الأمر إلى لقب مطلقة للمرة الأول، وهى في بداية عقهدا الثاني. 


حال «أميرة» مثل مئات الآلاف غيرها، ووفق تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، فيما يخص ظاهرة الطلاق المبكر بين حديثي الزواج، سجلت الفئات العمرية الصغيرة نسبًا ملحوظة من حالات الطلاق، واحتلت الفئة العمرية من 25 إلى 30 عامًا المركز الأول بين المطلقات 17.6%، بينما جاءت الفئة من 35 إلى 40 عامًا في صدارة المطلقين 18.2%.

 

وتؤكد هذه الأرقام أن الطلاق لم يعد مقصورًا على الزيجات طويلة الأمد، بل أصبح يمس حديثي الزواج بشكل متزايد، خاصة في المناطق الحضرية التي سجلت 57.8% من حالات الطلاق خلال 2024، بينما شكل الريف 42.2% فقط، ما يعكس تعرض الزيجات الحديثة لضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية في سنواتها الأولى، وتُرجح هذه المؤشرات أن ضعف التوافق، وغياب الخبرة الحياتية، وارتفاع الأعباء المعيشية، تمثل عوامل رئيسية وراء تفكك بعض الزيجات قبل أن تكتمل سنواتها الأولى، ما يستدعي تعزيز برامج التأهيل الأسري، والدعم النفسي للمقبلين على الزواج.

 

◄ «الناس كلت وشنا» قادت أميرة للطلاق 3 مرات 
 

نعود مرة أخرى إلى رحلة «أميرة » بعد الطلاق حتى الزيجة الثانية، لقب مطلقة وهي في بداية عقدها الثاني، ضاعف مكن الضغوط عليها من أجل الزواج مرة أخرى، خاصة وأنه يترامى إلى مسامعها «انتي مطلقة.. ماينفعش تقعدي كدة.. لازم تتجوزي عشان الناس ماتاكلش وشنا».

 

وعادت أميرة مرى أخرى إلى المربع الأول، واضطرت أمام هذه الضغوط إلى الرضوخ والزواج مرة ثانية، وبالفعل تزوجت أميرة للمرة الثانية وهي مغصوبة من أهلها، ومنذ يومها الأول دبت الخلافات بينهما، ومرت الأسابيع سريعاُ ووجدت نفسها مطلقة للمرة الثانية، ولكن هذه المرة تعول «طفل»:«ودي أحسن وأجمل حاجة حصلتلي، وهعيش بيه وليه». 

 

وبالفعل عقدت «أميرة» العزم على طي صفحة الزواج، وأن تهب نفسها لتربية ابنها، لكن هذه الإرادة اصطدمت بوفاة والدتها، ووجدت نفسها وجها لوجه أمام أخيها الأكبر، الذي رفض هذه الفكرة وأصر على زواجها بدعوى «حماية لها ولطفلها»، ومارس عليها ضغوطًا تفوق قدرتها على التحمل، وفي النهاية رضخت للزواج، ولكن قبل مرور عام على هذه الزيجة، حصلت للمرة الثالثة على لقب مطلقة: «كنت بهرب من كلام الناس كل مرة، الأول عشان مابقاش عانس، وبعدين عشان مبقاش مطلقة، والكل يخاف على بيته مني، وطبعا كلنا عارفين نظرة المجتمع خاصة لو ريفي للمطلقة، بس في الآخر بقيت مطلقة 3 مرات، وبرضه ما سلمتش من كلام الناس».

 

◄ كيف تحول «الستر» إلى سجن نفسي لـ «منال»؟
 

بين جدران شقتها الهادئة في قلب القاهرة، تجلس منال عزت «اسم مستعار» تفتش في بقايا حلم لم يكتمل، تراجع شريط ذكريات بدأ بضغط «العمر بيجري» وانتهى بلقب مطلقة. «منال» المعلمة التي لم تتجاوز التاسعة والعشرين من عمرها، تحكي قصتها لا باعتبارها ضحية لزواج فاشل فحسب، بل ضحية لمجتمع يرى في « الستر» سباقاً مع الزمن وفي «الخُلع» وصمة عار لا تُمحى.

 

كانت منال الابنة الوحيدة بين إخوة ذكور استقروا في حياتهم، بينما بقيت هي مع أمها، لتصب عليها القلق صبا. «عايزة أطمن عليكي قبل ما أموت».. هذه الجملة هي المحرك الأساسي لكل ما حدث، وعندما طرق الباب «عريس الخليج» بدأ الكل يضغط لقبول «العريس الغني».

 

«زواج صالونات، إمكانياته مادية كويسة، وجاهز من كله زي مابيقولوا».. هذه من وجهة نظر منال مواصفات يُعمي بريقها الأعين عن عيوبه الجوهرية. وخلال وقت قياسي تم الزواج، شهران للتعارف والخطوبة والزواج، وشهران قضاهما العروسان معا قبل أن يعود إلى عمله في إحدى دول الخليج. 

 

ومع عودته في أول أجازة، بدأت الأقنعة في السقوط، واكتشفت منال أنها لم تتزوج رجلاً، بل تزوجت لغزاً «كان لا يتصل بي نهائياً في سفره، وكأنني لم أدخل حياته منذ أشهر»، ولم تتوقف الصدمة عند جفاء المشاعر، بل امتدت لتكتشف أنه يعاني من اضطراب نفسي «توحد غير مشخص بدقة»، وسلوكيات غير سوية في العلاقة الزوجية.

 

ضرب الزوج بالاتفاقات عرض الحائط، ورفض العيش في شقته بالقاهرة، وانعزل في منزل بأحد الأقاليم بمفرده، تاركاً إياها في مهب الريح. وهكذا تحول الرجل الذي وُصف بأنه «لقطة» إلى شخص دخل في طور «المجذوب»، رافضاً تدخل أي وسيط أو حكيم، بينما وقف أهله صامتين كأن الأمر لا يعنيهم.

 

رغم الجفاء، والقطيعة التي استمرت لأكثر من سنتين، ظلت منال تقاوم فكرة النهاية، كانت والدتها، رغم كل ما تراه من معاناة، ترفض لجوء ابنتها للخلع، متمسكة بأمل، كانت تخاف من لقب «مطلقة» أكثر من خوفها على ابنتها من زوج «مجذوب».

 

في النهاية.. لا مفر من المواجهة، حصلت منال على حكم قضائي ينهي هذه المأساة، لكنها خرجت لتجد نفسها أمام معركة أخرى« وقتها خرجت بلقب أخر لم يكن أفضل من عانس وهو مطلقة، بما تحمله الكلمة من وصمة مجتمعية مرفوضة، ونظرات كلها تجريح ولوم».

 

اقرأ أيضا : 2.5 % انخفاض في عقود الزواج و 3.1% ارتفاع في حالات الطلاق عام 2024

 
 
 
 

 

ترشيحاتنا