في مشهد يعكس متانة العلاقات الثنائية بين مصر وفرنسا، استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي ، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في زيارة رسمية رفيعة المستوى إلى القاهرة. وقد أقيمت مراسم استقبال رسمية بالمقر الرئاسي، حيث تم عزف السلامين الوطنيين واستعراض حرس الشرف، إيذاناً بانطلاق مباحثات هامة تهدف إلى ترسيخ التعاون بين البلدين الصديقين.
شهدت الزيارة عقد مباحثات ثنائية بين الزعيمين، أعقبها جلسة موسعة ضمت وفدي البلدين، توجت بالإعلان عن ترفيع العلاقات المصرية الفرنسية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، في خطوة تعكس التزام البلدين بتطوير التعاون في مختلف المجالات. كما تم التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم التي تعزز من آفاق الشراكة.
كلمة السيد الرئيس السيسي: علاقات تاريخية وآفاق واعدة

وفي مؤتمر صحفي مشترك، رحب السيد الرئيس بالرئيس ماكرون، واصفاً الزيارة بأنها "تجسد بجلاء مسيرة طويلة من التعاون المثمر"، مؤكداً أن "الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون المشترك وفتح آفاق جديدة".
واستعرض الرئيس السيسي محاور التعاون المقترحة، وعلى رأسها توسيع الاستثمارات الفرنسية في مصر، والاستفادة من المنتدى الاقتصادي المصري الفرنسي لتعميق التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات توطين صناعة السكك الحديدية، والتدريب الفني، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والهيدروجين الأخضر.
كما أكد السيد الرئيس أهمية دعم فرنسا لمصر في جهود مكافحة الهجرة غير الشرعية، مشيدا بدور باريس في دفع البرلمان الأوروبي لاعتماد الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي المقدم من الاتحاد الأوروبي، بقيمة 4 مليارات يورو.
تطورات إقليمية.. وموقف مشترك تجاه غزة

القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة في مباحثات الزعيمين، حيث دعا الرئيسان إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية وإطلاق الرهائن. كما تم رفض أي دعوات لتهجير الفلسطينيين، والتشديد على أهمية دعم خطة إعادة إعمار القطاع.
وتطرق اللقاء إلى التطورات في سوريا ولبنان والسودان ومنطقة الساحل والقرن الإفريقي، حيث أكد الرئيسان على أهمية التعاون المشترك لدعم الأمن والاستقرار، إلى جانب دعم جهود السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون غزة والأراضي الفلسطينية.
وفيما يخص ملف الأمن المائي، شدد السيد الرئيس على أهمية نهر النيل كمصدر حياة لمصر، وضرورة الالتزام بالقانون الدولي في إدارة الموارد المائية المشتركة.
كما أكد الرئيسان على أهمية الحفاظ على انتظام حركة الملاحة في قناة السويس، في ظل التحديات التي فرضتها الهجمات في مضيق باب المندب، والتي كلفت مصر نحو 7 مليارات دولار من عائدات القناة خلال عام 2024.
منتدى اقتصادي يعزز التعاون الاستثماري

وفي سياق الزيارة، شارك الرئيسان في المنتدى الاقتصادي المصري الفرنسي الذي حمل عنوان "شهادات ورؤى حول الشراكة الفرنسية المصرية"، بمشاركة واسعة من الشركات المصرية والفرنسية العاملة في مجالات الصحة، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، والهيدروجين الأخضر.
أكد الرئيس السيسي أن الاستثمار في مصر يمثل فرصة مواتية للشركات الفرنسية، مشيرا إلى ما تم إنجازه من إصلاحات اقتصادية وبنية تحتية خلال السنوات العشر الماضية، فضلا عن اتفاقيات التجارة الحرة التي عقدتها مصر في الإطارين العربي والإفريقي. كما شدد على حرص الدولة على تذليل العقبات أمام المستثمرين وتوطين الصناعات.
زيارة ميدانية واهتمام بالنقل

ضمن برنامج الزيارة، قام الرئيسان بجولة في محطة عدلي منصور المركزية التبادلية، وتفقدا الخط الثالث لمترو أنفاق القاهرة. وأشاد الرئيس السيسي بالتعاون الوثيق مع فرنسا في مجال النقل، مؤكدا حرص الدولة على توطين صناعات النقل وزيادة نسبة المكون المحلي. من جانبه، أعرب الرئيس ماكرون عن إعجابه بالتطور الملحوظ في البنية التحتية المصرية وحرص فرنسا على استمرار دعم هذه المشروعات.
قمة ثلاثية في القاهرة.. نحو السلام في غزة

وعلى هامش الزيارة، عُقدت قمة ثلاثية بين مصر وفرنسا والأردن لمناقشة تطورات الوضع في قطاع غزة، وأكد القادة الثلاثة ضرورة العودة الفورية لوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والرفض القاطع لأي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو ضم أراضيهم.
وشدد القادة على أن إدارة غزة يجب أن تكون تحت مظلة السلطة الفلسطينية، وناقشوا سبل دعم خطة إعادة إعمار غزة، مع التحضير لمؤتمر دولي يعقد بالقاهرة قريبا، تمهيدا لمؤتمر يونيو المقبل برئاسة فرنسا والسعودية لإحياء حل الدولتين.
مكالمة مع الرئيس ترامب

كما أجرى قادة مصر وفرنسا والأردن مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تناولت ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، واستئناف إيصال المساعدات، وإطلاق سراح الرهائن. وتم التأكيد على ضرورة إيجاد أفق سياسي حقيقي لتسوية القضية الفلسطينية، إلى جانب بحث سبل إنهاء الحرب في أوكرانيا بما يضمن الأمن والاستقرار الدوليين.
لقاء مصري أردني على هامش القمة

كذلك التقى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بجلالة الملك عبد الله الثاني، حيث أكد الزعيمان على عمق العلاقات الثنائية، وأهمية التنسيق بشأن المستجدات الإقليمية، وعلى رأسها الوضع في غزة والضفة الغربية.
تمثل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة علامة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين، حيث أرست أسسا جديدة لشراكة استراتيجية شاملة، عكستها الملفات المطروحة، ومذكرات التفاهم الموقعة، والقمم السياسية والاقتصادية التي شهدتها الزيارة.
هي زيارة ترسم خارطة طريق جديدة للتعاون المصري الفرنسي، وتنطلق منها رسالة واضحة بأن الحوار والشراكة هما السبيل لتحقيق السلام والتنمية في منطقة الشرق الأوسط.




