وثيقة «التيار البديل» نقاشها الأخوان لإرتكاب جرائم انتقامية

صورة موضوعية
صورة موضوعية

تقرير يكتبه: عمرو فاروق 


لا تزال المعركة مشتعلة بين «جبهة لندن» التي يتزعمها إبراهيم منير، وبين «جبهة تركيا» التي يتزعمها الدكتور محمود حسين، حول التوجهات الحركية والفكرية لجماعة «الإخوان الإرهابية»، خلال المرحلة الراهنة، وإشكاليات الانتقال من الإطار التنظيمي إلى التيار الفكري العام داخل المجتمعات العربية وتعطيل العمل السياسي، وفقًا لتسريبات ومضامين وثيقة لندن، التي أحدثت شرخًا قويًا في الجدار التنظيمي.

التخلص من العبء التنظيمي والتماهي المجتمعي والاكتفاء بالكتلة الحرجة لجماعة «الإخوان الإرهابية»، ليس طرحًا جديدًا في ذاته، لكنه قُدّم من قبل إلى مرشد الجماعة الإرهابية محمد مهدي عاكف في صيف عام 2005.

في هذا التقرير نلقى الضوء على تفاصيل وثيقة «التيار البديل»، التي صاغت بنودها مجموعة من قيادات الصف الثاني في الهيكل التنظيمي، يعود موطنهم إلى محافظة أسيوط، تناولت عملية التحولات الحركية والفكرية والتنظيمية لجماعة «الإخوان» في إطار نقدي، وتمت مناقشتها على المائدة السياسية لمكتب الإرشاد، وانتهت حينها بالرفض التام.

خرجت وثيقة «التيار البديل» (طُبعت في كتاب بتوقيع الدكتور علي عبدالحفيظ)، بمجموعة من الأطر المنهجية التي من شأنها هدم الثوابت الفكرية لجماعة «الإخوان»، ولجماعات الإسلام السياسي بشكل عام، مثل ضرورة «حل التنظيم» نهائيًا والتعايش داخل إطار الدولة المصرية في شكل اجتماعي سلمي، والتخلي عن التمييز والاستعلاء الديني وعدم إثارة الفتنة في جنبات الشارع المصري، والتراجع عن وهم مشروعية «دولة الخلافة»، التي وضعتها الجماعة كركن سادس من أركان الإسلام، ورفض «قداسة القيادات» وعلى رأسها حسن البنا.

وهذا يميز استمالة الطوائف المجتمعية والتلاعب بمشاعرها الدينية، والتأثير في دوافعها السلوكية والنفسية بخطاب أحادي التوجه، وإلحاقها بالعملية السياسية في إطار توظيفي انتهازي، وصفتها وثيقة «التيار البديل»، بأنها جريمة إنسانية كبرى تنفذها قيادات جماعة «الإخوان الإرهابية» من دون خجل.

حول ما تبذله الجماعة من جهد متواصل، سعيًا إلى إقامة «دولة الخلافة»، تحت مظلة «التنظيم الدولي»، أشارت وثيقة «التيار البديل»، إلى أن المكون «الإخواني» تناسى أن لكل دولة قوميتها وخصائصها الحضارية والثقافية، وأن «الخلافة»، انتهت بعد الراشدين، والقول بعودتها تجارة بالدين، وإفساد للعقول، فالأولى العمل على استعادة الرشد لا القول برجعة الخلافة، ولن يتحقق الرشد إلا في إطار «الدولة المدنية»، التي يتحاكم فيها الجميع تحت مظلة «القانون».

في إطار حالة الإقصاء المتأصلة لدى العقيدة «الإخوانية»، ارتأت وثيقة «التيار البديل»، صعوبة تعميم مصطلح «الإخوان المسلمون»، على مشروع وطني مصري، في ظل احتكار الجماعة للإسلام، والإساءة لمخالفيها، فضلاً عن تعاملها مع «الأقباط»، على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، في تناقض تام مع مقاصد الشريعة الإسلامية، بما لا يدع مجالاً للشك بأن النظرة الحاكمة للجماعة لم تفهم الإسلام فهماً صحيحًا.

لم يتردد القائمون على وثيقة «التيار البديل»، في فضح العقلية المهيمنة على الداخل التنظيمي لجماعة «الإخوان الإرهابية»، من كونها عقلية «النظام الخاص» الذي نشأ رجالاته وسط السلاح، والاغتيالات، واستباحة الدماء لمجرد الاختلاف في وجهات النظر والرأي، معتبرين أن مخالفتهم في التوجه لا تجوز شرعًا، في توحد وتماهٍ مع الثوابت الشرعية، ومن ثم لا يقبلون أي فكرة إصلاحية تتنافى مع رؤيتهم العقيمة.

تضمنت وثيقة «التيار البديل» نقاطًا رئيسية عدة، جاءت بمثابة رسائل نقدية للأطر الفكرية والحركية للكيان التنظيمي، أولها، ضرورة توقف جماعة «الإخوان الإرهابية» عن دعوى تمثيل «الهوية» وتقسيم المصريين إلى «إخوان مسلمين»، و»إخوان غير مسلمين»، إذ ان مشاريع الإصلاح، لا تقوم بطبيعتها على أساس التفرقة الوطنية.

وطالبت النقطة الثانية، جماعة «الإخوان الإرهابية» بإعادة النظر في «العقيدة السياسية» التي تدعي أنها صادرة عن «التراث القديم»، الذي يعاني من الخلل والضعف والترهل، إذ أن تاريخ المسلمين الأوائل مملوء بالحكام المستبدين والظالمين الذين لا يمكن الاقتداء بهم. 

وحذرت النقطة الثالثة، من استمرار جماعة «الإخوان الإرهابية» في الادعاء أن حسن البنا يمثل المرجعية الكبرى للعمل السياسي والدعوي، واحترام التاريخ السياسي الحديث ورموزه، وفي مقدمته ثورة يوليو 1952، في شقها المتعلق بالوحدة العربية والحفاظ على العدالة الاجتماعية.

وتناولت النقطة الرابعة، هدم قداسة حسن البنا التي تروج لها جماعة «الإخوان الإرهابية» على مدار تاريخها المعاصر، ومحاولة وضعه في مكانة تفوق حالته البشرية، وتزينه بهالة مصنوعة ومزيفة، والزعم أنه أسس جماعة منظمة تعمل للإسلام وتحمي أطر الشريعة، رغم أنه أحدث خرقا في الإسلام، وانتهى به الحال إلى أن وصف اتباعه ومريديه بأنهم «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين».

في المحور الخامس طالبت وثيقة «التيار البديل» بضرورة توقف الجماعة عن المتاجرة بالدين، وتشدقها بفكرة شمولية دورها الوظيفي (السياسي والدعوي والاجتماعي)، وأن تحترم مؤسسات الدولة وقوانيها وضوابطها، وأن تحدد دورها وهويتها، إما عملاً سياسياً وإما عملاً اجتماعيًا دعويا، ومن ثم إذا رغبت في «الإرشاد والدعوة»، فلا يصح لها أن تقوم بهذا الدور في ظل وجود مؤسسات دينية كبرى مثل الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، وإذا أرادت الاشتغال بالعمل المدني، فلا يجوز أن تصف الأعمال بكونها إسلامية أو غير إسلامية.

في رسالتها، دعت وثيقة «التيار البديل» إلى توقف جماعة «الإخوان الإرهابية» عن ادعاء نضالها الشعبي والسياسي، في ظل استمالتها واستقطابها للدوائر المجتمعية من طريق الدعاية الدينية، فضلاً عن أن النضال الشعبي والسياسي عمل مدني تجتمع عليه القوى الوطنية بأطيافها المتعددة، بعيدا من التأطير الديني.

وعن الخلط المتعمد بين السياسي والديني، اعتبرت وثيقة «التيار البديل»، أنه لا يسوغ لجماعة أو حزب أو فرد أن يؤسس لمعارضة سياسية على أساس ديني، ولا يجوز لأحد أن يدعي مرجعية الإسلام لنفسه، إذ أن الإسلام مرجعية للأمة كلها، وأن الادعاء بـ»الإسلامية» والتضرر بها طعن على الآخرين، وتشكيك في عقيدتهم وإيمانهم.

جاءت البنود السابقة الواردة في وثيقة «التيار البديل»، بمثابة حالة تمردية على السياج الفكري الذي يهيمن على العقلية «الإخوانية» وتراتيبتها التنظيمية، وأزعجت لا محال - حينها - قيادات مكتب الإرشاد، التي ساومت روادها بالإغراءات، لكنها في مجملها تنبأت بحتمية سقوط الجماعة وعجزها عن التطوير والانتقال من المشروع التنظيمي إلى أبجديات الدولة ومؤسساتها.

لا شك في أن صائغي وثيقة «التيار البديل»، أصبحوا خارج الإطار التنظيمي، وتم إقصاؤهم تماما من المشهد «الإخواني»، في ظل تجرؤهم على انتقاد الجماعة وقياداتها ومؤسسيها وإطارها الفكري والحركي، تخوفاً من استمالة الآخرين إلى طريقهم وإقناعهم بكونهم «تياراً بديلاً»، قادراً على تصحيح المسار التنظيمي للجماعة والانتقال بها إلى الساحة المجمتعية المنفتحة من دون التقيد بالأطر المنهجية التي وضعها حسن البنا وسيد قطب، ووقف مشروع التغلغل في أركان الدولة المصرية ومؤسساتها تحت مزاعم بناء الدولة الموازية التي تمهد لقيام دولة الخلافة. 

ترشيحاتنا