محمد القصبي يكتب: في «حارة الملائكة».. النبلاء يصاهرون البروليتاريا والفرح في هارفارد!

محمد القصبي
محمد القصبي

ساعات أخرى عاصفة يشهدها التقويم الجديد لنادي القصة ..حيث فاضت قاعة مركز طلعت حرب الثقافي في السيدة نفيسة بطوفان من الرؤى والإشكاليات والقضايا العميقة التي ترتبط جينيا بالحكي الأدبي..

الخوض فيها - يقينا- فريضة واجبة لإعادة النضارة إلى المشهد الثقافي.

والساعات ثلاث .. أمضيناها مساء السبت الماضي  في حوارات حول أحوال حارة الغلابة من خلال رواية "بنت الحارة" للأديب د.طارق منصور..
........

الرواية.... " بنت الحارة ".. تذكرني بشبابي المبكر ..بل ربما طفولتي المتأخرة..
خلال سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية ثم الجامعة..تحديدا في العطلات الصيفية..حالة فريدة من  الشراهة  للقراءة..قراءة أي كتاب يقع بين يدي..وما كانت الكتب تقع بين يدي بيسر..أنيميا المال مترست الطريق أمام شراء الكتب ..وحتى القروش القليلة  التي كنت اختلسها من دكان أبي رحمة  الله عليه.. ماكانت تكفي 
لإشباع شهوتي لاقتناء الكتب..فلذت بمكتبة الوحدة المجمعة في قريتي.. بل وعقدت اتفاقا بدا غريبا حينها.. مع بائع الجرائد الصبي "اسماعيل" وشقيقه "حسن".. أن أستعير كل ما يأتيهما من إصدارات دار الهلال وروايات عالمية والمسرح العالمي..وغيرها من السلاسل..الكتاب أستعيره لمدة يوم أو يومين في مقابل قرش أو نصف قرش..كان ثمن الكتاب أصلا ثلاثة قروش ..أوخمسة قروش لو كان متميزا..

وثمة وسيلة أخرى مضحكة لذت بها لإشباع شهوة القراءة..السرقة..سرقة الكتب.. من الأصدقاء وغير الأصدقاء..وحتى لايفعلون ماأفعل..حيث الكثير مثلي يعانون من تأجج شهوة القراءة..!! أشهرت في وجه الجميع شعاري المضحك:
 - سرقة الكتب حلال ..إلا كتبي !!!!!!!

فإن كانت شهوة القراءة مع الشيخوخة قد فترت إلا أن الداخل في الحقيقة مازال ضعيفا أمام اي كتاب يفيض  بمغريات الحكي..
فمازال لجاذبية التلقي سطوتها التي تدفعني إلى أن أطرح مشاغلي مهما كانت أهميتها جانبا إزاء أي كتاب تتوافر به تلك المغريات..
وهذا ماحدث معي مؤخرا ..

رواية بنت الحارة " ٢٥٦ صفحة "  للأديب والمؤرخ د.طارق منصور التي التهمتها في أقل من يومين..

وكأنني استعرتها من بائعي الجرائد "اسماعيل" وشقيقه "حسن" ويتعين علي إعادتها بعد يوم أو يومين  في مقابل قرش صاغ أختلسه من دكان أبي لأودعه سرا جيب جلباب أي منهما..!!

وماذا شدني في رواية بنت الحارة لالتهمها سريعا هكذا..؟

ربما لأن مسرحها الزمني يمثل  معلما مهما في تقويمي الوطني والعروبي..مطلع ثماتينيات القرن الماضي..حيث آثار كامب ديفيد.. والقطيعة العربية للقاهرة..آثار انفتاح السداح مداح كما وصفه الراحل العظيم أحمد بهاء الدين..استشراء النبتة الشيطانية في التربة المصرية ..نبتة الإرهاب.. أعاصير السلفية البترودولارية التي هبت على المحروسة من شرق البحر الأحمر لتزنزن الدين في لحية ونقاب وجلباب قصير وهل صليت على النبي ٣ آلاف مرة ..ولاشيء عن أخلاقيات النبي ولا عن جوهر الدين ..العمل الصالح..!!!!

وكنت أظن أن المؤرخ د.طارق منصور سيدس أنفه في عالم الروائي طارق منصور..ليبارك حكيه الأدبي عن عالم حارة الغلابة برؤى عن هذه الظواهر بالغة الأهمية..

لكن هذا لم يحدث إلا قليلا !

هذا القليل ربما تمحور حول جماعة الإرهابي "أبو حذيفة"..والتي إن داهمتنا خلال بعض صفحات الرواية كحدث محوري إلا أنها سرعان ماتختفي ..أو تخفت!!

لكن خفوتها و غيرها من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي رسمت معالم مصر خلال تلك الفترة ..

لم يصبني بالفتور ..بل واصلت التهامي للرواية حتى آخر سطر..بحثا عن إجابة لسؤال أرقي: هل تنجح الطالبة عواطف..نبتة حارة الغلابة  في تحقيق حلمها..أستاذة في كلية طب القصر العيني..؟

هل تتوج قصة حبها والدكتور منير بالزواج..رمزا لأنه في مصر لاصراع طبقات..بل تلاقي وتلاحم  ارستقراطيي الزمالك وبروليتاريا حارة الغلابة..؟
وما انشغلت كثيرا خلال رحلتي مع الرواية ببنية فنية ولا سلامة لغة ..بل بالحدث..بالحلم..
لأنتهي..إلى أنها ليست حارة الغلابة..بل حارة الملائكة..
فإن كانوا دون الملائكة..
فربما جديرون بأن يوصفوا بهذا التعبير الذي ورد في روايتي مالم تقله النساء " الحلقة المفقودة بين البشر والملائكة"..
نعم ..أهالي  حارة الغلابة..جديرون بأن يبندوا
في خانة الحلقة المفقودة بين البشر والملائكة!
 -عبد الله البرنس..  المسيحي الذي يشيد مسجدا لأهل الحارة..
- ماريا المسيحية من ثدي مصريتها الأصيلة يرضع كل من حولها وبعفوية مشاعر الحب ..
- محمد الكمساري مثلما كان بطل حرب أكتوبر هو أيضا في الحارة بطل... حيث  يتدفق عطاؤه الإنساني..
- الأم حين باغتها الموت..لم تحترق الابنة  عواطف بأرق السؤال : من أين تستطيع الإنفاق على أخيها الصغير سالم وتوفير نفقات دراستها بكلية الطب..حيث
ملائكة الرحمة دوما تحلق في أجواء حارة الغلابة..فبعد أيام من وفاة الأم  تجد عواطف بين يديها ٥ آلاف جنيه هبات من الجيران وزميلات المرحومة امها..بل وتختارها الكلية لبعثة في جامعة هارفارد..ليست وحدها..بل ومحبوبها د.منير.." بالطبع ٥٠٠٠ جنيه في مطلع الثمانينيات يعادل الأن ربما مائتي الف جنيه أو ربما أكثر"!!

- الحارة المنسية فجأة تمتد بها الطرق مع تدخل أم صديقتها "رجاء" نائبة رئيس الحي ..

.......

وكأنني أجلس في فراشي مساء مستمتعا بفيلم ابيض واسود..من أفلام الزمن الجميل..الأنقياء..الأتقياء
يفوزون..حتى دون صراعات.. 
فدوما ثمة نهاية سعيدة..كوشة تضم البطل والبطلة..في ساحة جامعة هارفارد..!!!!

.........

فماذا عن معمارية الرواية..؟ ماذا عن اللغة ..عن الشخوص..؟
أسئلة كثيرة استقطب البحث عن إجابة لها  اهتمام وتنظير فرسان الندوة..
وهذا موجز  ما قالوا:
قصة رومانسية 
- الكاتب محمد الشافعي مدير الندوة..و ما كان مديرا سلبيا ..مهمته نقل " المايك" من فارس لفارس !!!
بل كانت له رؤيته الخاصة ..حيث يرى أن 
" بنت الحارة: رواية سهلة بسيطة سلسلة تقوم بالأساس على تقنية الحكي والحوار وتقدم قصة رومانسية جميلة ويغلب الخير على معظم أحداثها آلتي تبدأ من لحظة اغتيال السادات في السادس من أكتوبر عام 1981 ..

ورغم أن قماشة الرواية- يقول الشافعي- تتيح للكاتب أن يتعمق في عدد من القضايا الشائكة والمهمة مثل التطرف والإرهاب والآثار الكارثية لسياسة الانفتاح الاقتصادي..إلا أنه آثر أن يتناول هذه القضايا ببساطة مركزا على قصته الرومانسية..التي يأتي الشر على هامشها تماما.. هذه القصة التي تضعنا في الحالة الرومانسية لأفلام الستينيات..

وأهم ما في رواية بنت الحارة - يستطرد الشافعي - طاقة الأمل الجبارة..التي تمنحها لقارئها..من خلال بطلتها عواطف إبنة حارة الغلابة اليتيمة الفقيرة التي استطاعت أن تتفوق وتدخل كلية الطب ثم تحصل على منحة دراسية في جامعة هارفارد الأمريكية أهم جامعات العالم ..

وينبه الشافعي إلى أن من أهم  إيجابيات الرواية التأكيد على الوحدة الوطنية والتسامح الديني..من خلال شخصية عبدالله البرنس.. الذي يرسخ لمفهوم أن المصريين عنصر واحد في أمة عبقرية.

جذور عربية 

الناقد د. رمضان الحضري استهل طرحه بعاصفة من الغضب على هؤلاء النقاد الذين يزينون تنظيراتهم النقدية بمصطلحات ومفاهيم نقدية مستوردة متجاهلين أن المشهد النقدي العالمي اتكأ في الحقيقة على جذور عربية..وساق العديد من الأمثلة والنماذج..ولأنه موضوع بالغ الأهمية فقد اقترحت على د.الحضري  أن يكون هذا قضيتنا المثارة خلال ندوتنا المقبلة التي ستقام في مركز طلعت حرب الثقافي في ١٤ مايو المقبل ..وأبدى ترحيبه..
فماذا عن رؤيته لرواية بنت الحارة ؟

قال د.الحضري:

- رواية (بنت الحارة) بناءً فني يقدم فترة من فترة الحياة المصرية، واختيار الحارة هو اختيار مصري صميم، فالحارة الواردة في النص الروائي تشمل كل مصر، وكل مكان في مصر، ولكن اختيار المفردة ليبرر معرفة الأشخاص ببعضهم البعض، ولينقل كل شخص أحداثا رآها أو سمع بها أو شارك فيها، فجاء النص محبوكا في حلقات مترابطة.. كل حلقة ترتبط بما قبلها وما بعدها، و أظهرت الرواية قدرة السارد على التفريق بين مكونات كل شخصية على حدة، وكيف كانت تتصرف كل شخصية دون تدخل الكاتب، فالكاتب لم يظهر في شخصية ما، ولكنه موجود في كل المواقع بشكل خفي، حيث تراه يدير روايته من داخل الشخصية دون ظهور أي نوع من ممارسة الضغط أو التأثير على الشخصية، وهو صنع فضاء سرديا يتطابق مع الواقع، وعلى أقل تقدير يتماس معه تماسا كليا، فعواطف هي المصرية القديمة التي تفوقت على كل رجال ونساء العالم، ولها القدرة على حل مشكلاتها بكل يسر، وهذه حال المرأة المصرية الحقيقية عبر التاريخ منذ مصر القديمة وحتى الآن ، فهي التي تتغلب على المصاعب وتشارك في الحروب، وتدفع الرجال للتطور والتقدم، ولها باب في القيادة والنصح، ولها قدرات على تحصيل العلوم، ولها طاقة على العناية ببيتها وأهلها، أليست هذه هي المرأة المصرية منذ حتشبسوت وحتى عواطف بطلة النص السردي؟.

عبقرية الفكرة
يستطرد د.الحضري:

الكاتب أخذ بناء نصه من البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي والديني للمجتمع المصري، وهنا تكمن عبقرية الفكرة، فكل الذين يكتبون في الفراغ، تتبخر حروفهم لعدم ارتباطها بالواقع الذي يعيش فيه الأشخاص، فإذا أراد كاتب ما أن تخلد حروفه كحروف نجيب محفوظ وطه حسين ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم فعليه أن يربط هذه الحروف بالواقع، وهذا يفسر لنا عدم جدوى التعليم في دول ما وجدواه في دول أخرى، وعدم صلاحية نص أدبي للاستمرار في الواقع الاجتماعي بينما غيره يستمر زمنا طويلا بعد رحيل كاتبه .

فوحدة المصري في الدين لا تفرق بين مسلم وقبطي، بل كلاهما يعين صاحبه، فعبدالله مسيحي يبني مسجدا للمسلمين، ولا يوجد مسلم حقيقي يفهم ذلك ينكر هذا البناء، فيجوز لأي مسيحي أن يبني للمسلمين مسجدا لإقامة شعائرهم فيه، والإسلام كمنهاج نبوة رباني لا ينكر ذلك أبدا ولا يحرمه ولا يضعه في باب الكراهية أو حتى في باب خلاف الأولى، كما يجوز للمسلم أن يبني كنيسة لجيرانه المسيحين أو أهل بلده من النصارى، ولا ينكر ذلك أحد من المسيحيين باعتبارهم أصحاب دين سماوي، وقد استند الكاتب إلى فتوى من دار الإفتاء في نصه الروائي، لربط صحيح الفهم بالواقع المعيش، وجاء اتكاء الكاتب على ذلك ليبرز كيف تتلاعب الأيادي الخفية في المجتمع المصري من خلال زعزعة صحيح الدين لنشر الفرقة بين الأخوة، ويظهر المشوهون عقليا وباطنيا على سطح هذا المجتمع المتحاب النبيل، فيثيرون الفتنة، وينشرون أخطر أعمال العنف ضد الناس من الترويع حتى يصل الأمر إلى قتل الزعيم / محمد أنور السادات، فالكاتب يربط بين فساد العقل والتحريض على القتل بل وتنفيذه، ويربط بين صحة الفطرة ومساندة كل طائفة للطائفة الأخرى، وهذه فكرة التوحيد بين فئات الشعب المصري، وحرية الاعتقاد والتصرف.

بنية تقليدية

وتقول الناقدة د.شيرين العدوي: المؤلف في بنائه لرواية  "بنت الحارة" تتبع الرواية التقليدية.. فهي تصور "البطل" كشخصية رئيسة، و"الزمن" يتخذ خطا تطوريا مستقيما صعودا مع تطور الأحداث؛ كما أن الراوي يتسم بأنه (راو عليم) يعرف كل ما يتصل بالشخوص والأحداث. 

وتستطرد د.شيرين :

هذه الرواية التي صدرت حديثا للدكتور طارق منصور تضعنا بعنوانها وأحداثها أمام فترة عصيبة حرجة من تاريخ مصر الحديث. وهي إن كانت تحكي تاريخا فإنها قدمته في شكل سردي أضفي عليه المؤلف من خياله ما يحاكي الواقع المعيش الآن، ويرصد متغيراته؛ فهو لا يقدم تاريخا بقدر ما يقدم رصدا لتغير سيكوسولوجي "اجتماعي نفسي" لبداية الشروخ التي أصابت المجتمع المصري بعد انتصار 1973، لاسيما النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.  

وقد قدم رؤية لا تتعمق التفاصيل -عن قصد منه- ولكنها قدمت من المواقف والأحداث ما يساعد المتلقي استخلاص فكرة كلية منها لا تخطئها عين؛ وخير مثال على ذلك-  تقول الناقدة-   "محمد البطل" الذي كان من أبطال أكتوبر وكرمه الرئيس السادات فإنه تحول في الرواية إلى هامش بعد أن كان متنا وإن ظل في هذا الهامش يلعب دور البطل الرمز أو الوسام الذي يفتخر به أهل الحارة المنسية فأصبح منسيا مثلها ومات في الأحداث مريضا بعيدا عن الأضواء دون أن تمتد له يد العون، وضاع ابنه "جيمي" الذي لم يستطع أن يحكم السيطرة عليه، وورث أولاده من بعده حالة التهميش هذه. 

وأحداث الرواية - تواصل د.شيرين – تبدأ باستشهاد الرئيس البطل أنور السادات في 6 أكتوبر سنة 1980 وإن كانت كتلتها الزمنية تتحرك أحداثها بين عامي 1982/1983  -مع الارتداد للماضي القريب أحيانا- وهو العام الذي حصلت فيه بطلة العمل "عواطف" على أعلى الدرجات واجتازت عقبة الثانوية العامة رغم الظروف القاسية ودخلت كلية الطب محققة أمنيتها وأمنية أبيها المتوفى وأمها الكادحة؛ فمثلت بذلك رمزا لمصر التي تقف متحدية كل العقبات منتصرة عليها.

وقد رفضت منحة الجامعة الأمريكية التي كانت ستغير مصيرها في تحقيق هدفها في دراسة العلوم التطبيقية وهي في هذا الموقف أيضا ترمز لمصر التي ترفض المنحة الأمريكية حين تملي عليها، ولكنها تقبلها إذا ما توافقت مع رؤيتها؛ فقد قبلت عواطف المنحة الأخرى الجديدة بعد ذلك لدراسة الطب (الحلم) في ظرف كانت فيه قد حققت ذاتها في بلدها، وسافرت إلى أمريكا لتدرس في جامعة هارفارد (أعلى الجامعات في أمريكا)؛ بل ونافست الدول الغربية، وانتصرت عليها ؛ وظهر هذا في منافستها للطالبة اليونانية "سندرا" التي لم تكن تقل عنها ألمعية وإن كانت الطالبة المصرية (مصر) أكثر اتزانا نفسيا مما أهلها للحصول على المنحة مناصفة مع الطالبة اليونانية (اليونان) . ومن الملاحظ أن الكاتب جعلها يونانية ليؤصل لجذر ممتد مع مصر وخصوصا في مدينة الإسكندرية التي بناها الإسكندر المقدوني؛ إشارة ذكية من المؤلف لحوار الحضارت التي تبني ولا تهدم، فقد استوعبت مصر الحضارة اليونانية وأضفت عليها من روحها كما استوعبت البطلة المصرية البطلة اليونانية وأضفت عليها من روحها. وقد رمز الكاتب من خلال هذا الموقف إلى وجود اليونانيين في مصر والتعايش السلمي الذي لم تمحه الأيام والسنون؛ فكلا البلدين امتلك حضارة عريقة أسست لبناء العالم، وإن كانت مصر أعرق وأكثر تسامحا في إشارة من المؤلف ، في نهاية الرواية، إلى انجاز مصر لاتفاقية السلام بعد انتصار أكتوبر.

معجزات الحب!

الكاتبة والشاعرة إنجي الحسيني ترى أن  الحارة كما بانت في رواية د.طارق منصور جسدت هموم ونتائج سنوات مهمة في تاريخ مصر المعاصر مع اغتيال الرئيس السادات.. فعلى أبواب حارة الغلابة  ذلك النفق الطويل الذي ينتظر ضوء الفجر، كانت رحلة الفتاة "عواطف" والتي تسلحت بالعلم واتخذته وسيلة للتحرر من  مكان يغلب عليه الفقر والأمل في آن واحد.

وتنوه إنجي الحسيني إلى أن المؤلف نجح  في التأكيد على زمن الرواية من خلال الاستدلال ببعض الأحداث التاريخية ، كما خلق حالة من التعايش برسم ملامح الحارة بشكل دقيق؛ حيث وصف المكان والشخصيات مستخدما لغة شديدة العذوبة.

كما قام برصد عادات وسمات الحارة الشعبية والتي رغم فقرها إلا أنها حملت نقائض المجتمع، فنجد شخصية محمد البطل والذي يحمل بداخله أوجاع وأفراح هذا الوطن، و شخصية عبدالله البرنس وأم ماري واللذين مثلا  بشكل إيجابي كيف يكون شركاء الوطن، وأم هاني والتي  تتبادل أخبار الحارة مع جارتها عن طريق أحاديث الشرفات، وجيمي الذي ترك التعليم كي يصبح مطربا خلف الراقصات، وسمير ذلك الشاب المتطرف الذي انضم لجماعة "أبو حذيفة"، ومن تلك الشخصيات سواء الرئيسية  أوالفرعية؛ جاءت بعض القضايا مثل: ظهور الجماعات الاسلامية، العلاقة بين المسلم والمسيحي ، سفر المصريين إلى الخليج، انحدار الذوق الفني، ومعاناة أبطال أكتوبر بعد انتهاء الحرب.

وتشير انجي إلى أنه من خلال  الأحداث المشوقة و الحوار الجذاب؛  لم تجسد الرواية فقط نجاح الشخصية الرئيسية "عواطف" في تحقيق حلمها كي تصبح طبيبة، بل جسدت  أيضًا كيف تكون الأم المصرية المثابرة والصابرة على تربية أولادها، ومثلت روح التعاون بين أفراد الحارة ، وكيف يصنع الحب المعجزات ويذيب الطبقات كما فعل الطبيب منير، وكيف يكون "الأستاذ والمعلم" داعم وقدوة مثل شخص الطبيب سمير ومدير مدرسة سالم.

وتنبه الكاتبة إلى أن عواطف " بنت الحارة" بمثابة خط يتقاطع مع أبطال حارتها المغلقة ؛ فهي طاقة النورالايجابية  الذي أنار ذلك الشارع الطويل،  فعندما تركته لم تتركه إلا حارة للأمراء.

عوار نحوي!!

خلال الندوة آثار البعض واحدة من الإشكاليات التي يعاني منها الحكي الأدبي في مصر.. ومابرأت منها رواية بنت الحارة..الأخطاء اللغوية والنحوية .

المؤلف د.طارق منصور يداهمنا بما آثار الدهشة :

- الرواية تمت مراجعتها  من قبل مدقق لغوي!!!!!!!!!!!

أتذكر تصريحا موجعا لأحد مسئولي  جائزة بوكر العربية خلال مؤتمر صحفي عقد في القاهرة منذ بضع سنوات.. قال المسئول ان العديد من الأعمال المصرية التي تشارك   في الجائزة تعاني من كثرة الأخطاء اللغوية والنحوية..!!

أهي  إذن ظاهرة عامة تنتقص من الحكي الروائي المصري..؟!!

الناقد الدكتور د.شريف الجيار خلال الندوة ألقى بالمسؤولية على الناشرين الذين لايبدون  اي اهتمام لمواجهة هذا العوار..
وأراه محقا.. لكني أراها أيضا مسئولية المؤلف..فعليه أن يستعين بمدقق يعيد للنص صوابه اللغوي والنحوي.. ليس كهذا المدقق الذي استعان به د.طارق منصور!!!!!

وهناك أيضا  ما أسميه - وكتبت عنه مرارا- التجويد..على المؤلف أن يعيد قراءة نصه مرات وليس مرة أو مرتين..

يقينا كل مرة سيلهمه وجدانه عبارة أكثر دلالة في الحوار ..في السرد..

بل ومن الوارد جدا أن تقع عيناه على أخطاء لغوية ونحوية فيصوبها..

يقينا . هذا خير له..لنصه..من أن يفاجأ بمن يقذفه من فوق منصات النقد بخطايا ماكتب..!!!  

.....

عقب انتهاء الندوة..جمعني حوار والمؤلف د.طارق منصور..قال لي أنه يمكن أن يكون ثمة جزء ثان للرواية..يبدأ من حيث انتهى الجزء الأول..تلاقي الحبيب والحبيبه معا في البعثة الدراسية بأمريكا.. فهل نشاهد في الجزء الثاني مالم نشاهده في الجزء الأول ..وما يعد الثيمة المحورية في أي حكي أدبي.. الصراع..

صراع ربما تحت سقف الزوجية..صراع تحت سماء الوطن " أبوحذيفة" بمنظوره الديني الدموي والسطحي مع المجتمع..؟

في انتظار  الجزء الثاني ..وبلا أخطاء لغوية!!

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا