كنتُ أظنُّ أن النسيان عيبٌ في الذاكرة، وخسارةٌ لا تُغتفر، وكنتُ أتمسّك بكلِّ شيءٍ كأنَّ التذكُّر فضيلةٌ مطلقة، بقي هذا الاعتقاد راسخًا في داخلي، حتى مررتُ بتجارب قاسية أثقلت روحي وأرهقت قلبي،حاولتُ تجاهلها، وقاومتُ حضورها، ثم أجبرتُ نفسي على التعايش معها، لكنها كانت تعود في صمت، تعود في كلِّ مرةٍ أكثر وجعًا، وكأنَّ الذاكرة تُعيد فتح الجرح كلما أوشك على الالتئام.
ومع مرور الزمن، بدأ النسيان يتسلّل إلى عقلي على استحياء، خطوةً بعد أخرى، دون أن أستدعيه أو أطلبه، لم يأتِ فجأة، بل جاء برفقٍ يشبه البلسم، حتى وجدتُ أن كثيرًا من تلك الآلام قد فقد حدَّته، وأن بعض الوجوه التي كانت تؤلمني لم تعد توقظ في قلبي شيئًا، وأن الأحداث التي كنتُ أظنُّ أنني لن أنساها، غدت مجرد ذكرياتٍ بعيدة لا سلطان لها عليَّ،عندها فقط أدركتُ أن النسيان ليس عدوًا، بل نعمةٌ مستترة، ورحمةٌ إلهية تتسلّل إلى الإنسان حين يعجز عن احتمال ما يحمله قلبه.
فالنسيان، رغم أنَّه يبدو نقصًا في الظاهر، هو في كثيرٍ من الأحيان أحد أعظم أسباب بقاء الإنسان متوازنًا، لولاه، لعاش الناس أسرى لكلِّ خيبة، ولحملوا فوق صدورهم أوجاع السنين حتى تنكسر أرواحهم، إنَّه لا يمحو التجربة، بل يمحو حدَّة الألم، ولا يُسقط الدرس، بل يخفّف ثقل الذكرى، ولعلَّ في ذلك من أعظم الحكم؛ فلو مُحيت التجارب من الذاكرة، لفقد الإنسان دروسه، وكرَّر أخطاءه، ولو بقي الألم محتفظًا بحدَّته، لعجز عن مواصلة الحياة، لذلك أبقى الله الذكرى لتكون معلِّمًا، وخفَّف عنها وجعها لتكون رحمة، فنحن لا ننسى لنفقد المعنى، بل ننسى لنستطيع أن نواصل الطريق، نحمل الحكمة، ونترك الألم خلفنا، حتى لا تتحول التجارب إلى قيودٍ تمنعنا من أن نبدأ من جديد.
لكن لكلِّ نعمةٍ حدٌّ إذا تجاوزته انقلبت إلى نقيضها؛ فالنسيان نعمةٌ حين يحرّر القلب من الألم، لكنه يصبح خسارةً حين يفرّط فيما تقوم عليه حياة الإنسان من إيمانٍ وعلمٍ وقيم،فليس محمودًا أن ننسى ما يقرّبنا إلى الله، أو ما ينفعنا من علمٍ، أو ما تقوم عليه أخلاقنا وقيمنا، والحكمة ليست في أن ننسى كلَّ شيء، بل أن نعرف ما الذي يستحق أن يبقى، وما الذي آن له أن يرحل.
ولعلَّ أجمل ما في النسيان أنه لا يسرق من الإنسان إنسانيته، بل يعيد إليه قدرته على الحياة، فهو لا يمحو الماضي، لكنه يمنع الماضي من أن يمحو الحاضر، وما أكثر النعم التي تأتي إلينا في ثوبٍ لا نحبّه أول الأمر، ثم لا نلبث أن نكتشف أنها كانت من ألطف رحمة الله بنا، لذلك، ليس كلُّ ما يُنسى خسارة، وليس كلُّ ما يُتذكَّر نعمة... وبعضُ الرحمة لا تأتي إلا على هيئة نسيان.
" كل خطوة نحو ذاتك هي خطوة نحو عالم أفضل"




