تستمر أسعار النفط في الارتفاع مع تجدد الأعمال العدائية في الشرق الأوسط التي تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، في حين تستمر مخزونات النفط الخام والوقود العالمية في الانكماش و يحذر المحللون من أن ارتفاع أسعار الوقود قد يستمر؛ حيث إن انخفاض المخزونات، ومحدودية طاقة التكرير، والطلب القوي لا يترك للحكومات سوى خيارات قليلة لتخفيف حدة السوق.
كما أفادت "أويل برايس" أن أسعار النفط تشهد ارتفاعًا متواصلًا منذ أكثر من أسبوع، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن أمن الإمدادات إلى صدارة المشهد، رغم التوقعات السابقة بوجود فائض في المعروض العالمي.
وبينما كانت التقديرات تشير إلى تحسن أوضاع السوق عقب استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز إثر وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، سرعان ما انهار هذا الاتفاق، لتعطل حركة ناقلات النفط مجددًا، وتتزايد حدة المواجهات العسكرية، وهو ما انعكس في تشدد أوضاع السوق الفعلية واستمرار السحب من المخزونات النفطية العالمية.
ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة، ارتفعت إمدادات النفط العالمية خلال شهر يونيو 2026 بنحو 4.1 مليون برميل يوميًّا بفضل الهدنة المؤقتة، إلا أنها لا تزال أقل بنحو 9.4 مليون برميل يوميًّا مقارنةً بمستويات ما قبل اندلاع الحرب.
كما واصلت المخزونات العالمية تسجيل تراجعات ملحوظة، إذ انخفضت مخزونات النفط الخام لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمقدار 62 مليون برميل خلال شهر يونيو 2026، بعد تراجع بلغ 73 مليون برميل في الشهر السابق، بما يعكس استمرار الضغوط على جانب العرض.
وفي الولايات المتحدة الأمريكيةتراجع الاحتياطي البترولي الاستراتيجي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983، وهو ما يحد من قدرة السوق على مواجهة أي اضطرابات إضافية في الإمدادات.
واتصالًا بذلك، حذَّر الخبراء من أن سوق النفط قد تواجه ضغوطًا أكبر خلال النصف الثاني من العام الجاري، مع اقتراب المخزونات من الحد الأدنى للمستويات التشغيلية. وأوضح أن إعادة التوازن إلى السوق لن تتحقق إلا من خلال ارتفاع الأسعار بما يكفي لكبح الطلب، مشيرًا إلى أنه: "بمجرد استنفاد المعروض، لن يكون هناك مفر من ارتفاع الأسعار".
وتشير المعطيات الحالية إلى أن أسعار الوقود مرشحة للارتفاع بوتيرة مماثلة، في ظل استمرار شح المعروض من المنتجات المكررة. فقد ارتفع الفارق بين أسعار النفط الخام والبنزين إلى نحو 0.90 دولار للجالون منذ بداية شهر يوليو 2026، بينما يجري تداول خام غرب تكساس الوسيط عند نحو 80 دولارًا للبرميل (ونحو 84 دولارًا وقت إعداد التقرير)، بزيادة تقارب 18% مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب. وفي المقابل، ارتفعت أسعار البنزين بنحو 32% مقارنةً بنهاية فبراير، وفقًا لبيانات شركة "أوبيس" التي أوردتها صحيفة "وول ستريت جورنال".
ويعود هذا التباين بين أسعار النفط الخام والوقود إلى اختلاف أوضاع العرض في كلٍّ منهما. فبعد إغلاق إيران مضيق هرمز ردًّا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، خفَّضت الصين وارداتها من النفط الخام، مستفيدةً من المخزونات الكبيرة التي كانت قد كوَّنتها مسبقًا، وهو ما خفف جزئيًّا من أثر نقص الإمدادات.
وفي المقابل، لم تتوافر مخزونات مماثلة من الوقود المكرر، بالتزامن مع تضرر عدد من مصافي التكرير في الشرق الأوسط نتيجة الحرب، فضلًا عن تعطل جزء من الطاقة التكريرية في روسيا بسبب الهجمات بالطائرات المسيَّرة، وما تبع ذلك من فرض قيود على صادرات الديزل، الأمر الذي زاد الضغوط على أسواق الوقود العالمية، حيث ارتفعت أسعار البنزين بوتيرة تفوق ارتفاع أسعار الخام، في ظل استمرار الطلب العالمي القوي على الوقود رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي.
وهذا يعني أنه حتى لو انخفضت أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة الحالية، فلن يُترجم ذلك إلى انخفاض فوري في أسعار الوقود. ووفقًا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، عالجت مصافي التكرير في الشرق الأوسط كميةً من النفط الخام تقل بنسبة 20% في الربع الثاني من هذا العام مقارنةً بعام 2025. وفي روسيا، أدت هجمات الطائرات المسيَّرة إلى تعطيل ما يُقدَّر بنحو 25% من طاقة التكرير، مما أدى إلى حظر صادرات الديزل، وهو ما سيكون له تأثير مضاعف في الأسواق العالمية؛ لأن روسيا تُزوِّد العالم بنحو 11% من احتياجاته من الديزل.




