لم تعد النماذج الذكية مجرد أدوات تجارية، بل أضحت أصولًا استراتيجية وسلاحًا جيوسياسيًّا يمنح القوى المالكة لها قدرة على التحكم في اقتصاديات الدول المستوردة. و تبرز خطورة الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية في احتمالية استخدام قيود التصدير لقطع الخدمات الحيوية، مما يفرض على أوروبا رفع جاهزيتها لبناء منظومات سيبرانية مستقلة.
و تراهن أوروبا على حزمة من الاستثمارات ودعم الشركات الرقمية الناشئة ومزودي السحابة المحليين لتحقيق سيادة تكنولوجية موازية لإنشاء شراكات دولية موثوقة.
و حذرت مسؤولة الشؤون الرقمية والأمن السيبراني في الاتحاد الأوروبي من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تحولت إلى سلاح جيوسياسي قوي في أيدي الدول التي تمتلكها.
وأكدت "فيننشال تايمز" ضرورة تسريع أوروبا لجهود تطوير بدائلها التكنولوجية الخاصة، وتجنب الاعتماد على "واشنطن" لمواجهة مخاطر قطع الوصول إلى هذه البنيات التحتية الحساسة الاستراتيجية، والتي أضحت لا تتحكم في الاقتصاد العالمي فحسب، بل تُشكل أيضًا أصولًا استراتيجية حاسمة على الساحة الدولية.
وتأتي هذه المخاوف الأوروبية عقب قرار "واشنطن" في يونيو الماضي، فرض قيود تصدير على النماذج المتقدمة لشركة "أنثروبك" لدواعٍٍ أمنية، ورغم رفع تلك القيود لاحقًا بعد اعتراضات حادة، فإن الواقعة تجسد خيار "مفاتيح التعطيل" التي قد تُستخدم لقطع الدعم التقني عن الاقتصاد الأوروبي.
و في مقارنه هذه الأزمة بقرارات سابقة فرضت قيودًا على الرقائق الإلكترونية المتقدمة وقسمت دول التكتل، محذرة من ورود نماذج أكثر تطورًا وقدرة في المستقبل القريب، مما يتطلب استعدادًا سيبرانيًّا وثيقًا للتعامل مع هذا الواقع الجديد.
وردًّا على ذلك، كشف التكتل الأوروبي عن حزمة السيادة التكنولوجية لتعزيز قدراته الذاتية وتقليل الاعتماد على النماذج الأمريكية في قطاعات الرقائق والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وتتضمن الخطة تقديم حوافز لتسارع بناء مراكز البيانات الأوروبية ودعم شركات محلية وبالتوازي، يُجري الاتحاد محادثات ثنائية مع "واشنطن"، فضلًا عن مقترح ناقشه القادة الأوروبيون مع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في قمة المجموعات السبع لتأسيس إطار "الشريك الموثوق" لتأمين الاستفادة المستمرة من التقنيات المتقدمة.
ختامًا، تُشكل تحذيرات الاتحاد الأوروبي تحولًا مفصليًّا في التعاطي مع التقنيات الحديثة؛ حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطور الاقتصادي، بل أضحى ركيزة للأمن القومي وركنًا أساسيًّا في التنافس الجيوسياسي. ورغم صعوبة الاستغناء الكامل عن التقنيات الأمريكية، فإن اندفاع أوروبا نحو تحقيق سيادتها التكنولوجية يظل خيارًا استراتيجيًّا حتميًّا لحماية أمنها الرقمي وضمان استقلالية قراراتها في عالم تتصاعد فيه سياسات النفوذ والسيطرة.




