المستثمرون يقبلون علي شراء الأسهم هرباً من التضخم و أسعار الفائده

.
.

تحول التضخم من صدمة مؤقتة إلى واقع اقتصادي مستمر، مع تزايد التوقعات ببقاء معدلاته أعلى من المستويات المستهدفة بالتزامن مع استمرار النمو الاقتصادي.
 أعادت البيئة التضخمية تشكيل أولويات المستثمرين، إذ برهنت الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الأسهم، على قدرتها الأفضل في الحفاظ على القيمة مقارنة بالسندات، التي تكبدت خسائر نتيجة ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة.
كما أدى استمرار التضخم إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية وارتفاع مستويات عدم اليقين، ما يجعل نجاح الاستثمار في المرحلة المقبلة مرهونًا بالتركيز على الأصول القادرة على تحقيق عوائد حقيقية والتكيف مع بيئة اقتصادية أكثر تقلبًا.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت الأسواق العالمية تحولًا في نظرتها إلى التضخم، بعدما انتقلت من الاعتقاد بأنه ظاهرة مؤقتة يمكن احتواؤها عبر رفع أسعار الفائدة، إلى التكيف مع احتمال استمراره عند مستويات أعلى من المستهدف لفترة طويلة. ففي بداية موجة التضخم، انصب اهتمام البنوك المركزية على تحقيق ما عُرف بـ"الهبوط الناعم"، أي خفض التضخم دون التسبب في ركود اقتصادي، في حين كان "الهبوط الحاد" يمثل السيناريو الأكثر شيوعًا تاريخيًّا نتيجة التشديد المفرط للسياسة النقدية. أما سيناريو "عدم الهبوط"، الذي يقوم على استمرار النمو الاقتصادي والتضخم معًا، فقد كان يُنظر إليه على أنه احتمال مستبعد.
و تشير الايكونوميست  أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا السيناريو أصبح أقرب إلى الواقع، خاصة في الولايات المتحدة، حيث لم ينجح التضخم في العودة إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، كما ظل مرتفعًا في عدد من الاقتصادات المتقدمة مثل أستراليا وبريطانيا ومنطقة اليورو. ويعكس ذلك أن الضغوط التضخمية أصبحت أكثر رسوخًا، مدفوعة بعوامل هيكلية إلى جانب صدمات أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، وهو ما عزز توقعات المستثمرين والمستهلكين باستمرار التضخم فوق مستوياته المستهدفة خلال السنوات المقبلة.
وقد فرض هذا الواقع الجديد على المستثمرين إعادة تقييم استراتيجياتهم الاستثمارية. وأثبتت السنوات الخمس الماضية أن الاستثمار في الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الأسهم، يوفر حماية أفضل من التضخم مقارنة بالأصول المالية ذات العائد الثابت. فقد استفادت أسواق الأسهم العالمية، باستثناء السوق الصينية، من النمو القوي في أرباح الشركات والتقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن أن الأسهم تمثل حصصًا في شركات ترتفع إيراداتها وأرباحها عادةً مع ارتفاع الأسعار؛ مما يحد من تأثير التضخم على قيمتها الحقيقية.
 
في المقابل، كانت السندات من أبرز المتضررين من البيئة التضخمية، إذ أدى ارتفاع الأسعار إلى تآكل القيمة الحقيقية للعوائد الثابتة التي توفرها، بينما تسبب ارتفاع أسعار الفائدة في انخفاض أسعار السندات القائمة. ويعني ذلك أن المستثمرين في السندات تعرضوا لخسائر مزدوجة، تتمثل في انخفاض القوة الشرائية للعوائد من جهة، وتراجع القيمة السوقية للسندات من جهة أخرى، وهو وضع قد يستمر إذا استمرت توقعات التضخم المرتفع.
 
ولا تقتصر تداعيات التضخم على تآكل القيمة الشرائية للعملات، بل يؤدي أيضًا إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية. فحتى الأصول التي تُعد تقليديًّا ملاذًا آمنًا، مثل الذهب، شهدت تقلبات حادة نتيجة تغير توقعات المستثمرين، بينما تعرضت الأسهم والعقارات التجارية لفترات من الانخفاض الحاد مع ارتفاع أسعار الفائدة. ويعكس ذلك أن استمرار التضخم يدفع المستثمرين والمستهلكين إلى اتخاذ قرارات أكثر تحفظًا وتقلبًا، بما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
 
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة يتعايش فيها المستثمرون مع تضخم أعلى من المستويات المستهدفة، بدلًا من انتظار عودته السريعة إلى مستويات ما قبل عام 2021. 
 
ويشير ذلك إلى أن نجاح الاستثمار في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على اختيار الأصول القادرة على الحفاظ على قيمتها الحقيقية وتحقيق عوائد تتجاوز معدلات التضخم، مع الاستعداد للتعامل مع مستويات أعلى من التقلب وعدم اليقين في الأسواق العالمية.