شهد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في طبيعة دوره التنموي والاقتصادي، فلم يعد يقتصر على تنفيذ المشروعات القومية أو التوسع في الإنتاج الزراعي، بل أصبح نموذجًا متكاملًا لإدارة الاستثمارات والأصول وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، بما يتماشى مع توجهات الدولة المصرية نحو بناء اقتصاد إنتاجي أكثر تنافسية واستدامة.
ويأتي هذا التحول في إطار رؤية تستهدف تعظيم العائد الاقتصادي من المشروعات القومية، وتحويلها إلى منصات استثمارية متكاملة قادرة على جذب رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المختلفة، من خلال الاعتماد على أسس الحوكمة والشفافية والتكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية.
●الاستثمار.. مرحلة جديدة من التنمية
اتسعت أنشطة الجهاز لتشمل العديد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الزراعة والتصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية والطاقة والتعدين والتنمية العمرانية والتحول الرقمي، بما أسهم في بناء قاعدة اقتصادية متنوعة تمتلك مقومات النمو المستدام.
ويعتمد الجهاز على نموذج اقتصادي يقوم على توفير بيئة استثمارية متكاملة تضم البنية الأساسية ومناطق الإنتاج والمصانع والخدمات الداعمة، الأمر الذي يسهم في خفض تكلفة الاستثمار ورفع كفاءة التشغيل، ويمنح المستثمرين فرصًا واعدة للعمل داخل مشروعات قائمة تمتلك مقومات النجاح والنمو.
كما يستهدف هذا النموذج تعزيز التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للموارد المتاحة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المختلفة.
●القطاع الخاص.. شريك رئيسي في التنمية
يمثل القطاع الخاص أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية جهاز مستقبل مصر، انطلاقًا من أهمية الشراكة بين الدولة والمستثمرين في تحقيق التنمية المستدامة وتعظيم الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية المتاحة.
وقد نجح الجهاز في إقامة شراكات مع عدد من الشركات الوطنية والعالمية في العديد من المجالات الاقتصادية، بما يعزز نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير منظومات الإنتاج والخدمات، فضلًا عن فتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية.
كما يعكس وجود أكثر من 150 شركة من القطاع الخاص العاملة داخل مشروعات الدلتا الجديدة نجاح نموذج الشراكة الذي تتبناه الدولة في تنفيذ المشروعات الكبرى، وتحقيق التكامل بين مختلف الأطراف لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية.
●تعظيم قيمة الأصول والحوكمة المؤسسية
يتبنى الجهاز رؤية اقتصادية تقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية للأصول التي يديرها، من خلال توظيفها داخل منظومات إنتاجية واستثمارية تحقق أعلى عائد ممكن، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وتحقيق الاستدامة المالية للمشروعات.
وفي هذا الإطار، يمثل التوسع في استخدام أدوات سوق رأس المال خطوة مهمة نحو تعزيز الحوكمة المؤسسية وتوسيع قاعدة الملكية، حيث يمتلك الجهاز استثمارات وحصصًا في عدد من الشركات العاملة في قطاعات اقتصادية متنوعة.
ومع دراسة طرح حصص من بعض هذه الشركات في البورصة المصرية، تصبح هذه الكيانات ملتزمة بقواعد الإفصاح والشفافية والإعلان الدوري عن نتائج الأعمال، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويرفع من كفاءة الإدارة ويزيد من قدرتها على المنافسة.
ولا يقتصر دور سوق المال على توفير التمويل، بل يسهم أيضًا في ترسيخ ثقافة الإدارة الرشيدة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص وإتاحة فرص استثمارية جديدة تدعم النمو الاقتصادي المستدام.
بيئة تشريعية داعمة للاستثمار
فرض التوسع الكبير في حجم المشروعات التي يديرها الجهاز الحاجة إلى تطوير إطار قانوني ومؤسسي أكثر قدرة على مواكبة هذه المتغيرات، وهو ما يستهدفه مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
ويهدف مشروع القانون إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية، ورفع كفاءة إدارة الأصول والاستثمارات، وتنظيم آليات العمل والشراكات الاستثمارية، بما يوفر بيئة أكثر استقرارًا وجاذبية لرؤوس الأموال.
كما يتوافق هذا التوجه مع المتطلبات الحديثة لمؤسسات التمويل والتنمية الدولية، التي تولي أهمية كبيرة لتطوير الأطر القانونية ورفع مستويات الشفافية وتعزيز دور القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الكبرى.
التنمية العمرانية والاقتصاد الرقمي
لم يعد النشاط الاستثماري للجهاز مقتصرًا على القطاعات الإنتاجية التقليدية، بل امتد ليشمل التنمية العمرانية من خلال إنشاء مجتمعات متكاملة ترتبط بالمشروعات الزراعية والصناعية والخدمات اللوجستية.
ويأتي مشروع "جريان" نموذجًا لهذا التوجه، باعتباره مجتمعًا عمرانيًا متكاملًا داخل منطقة الدلتا الجديدة، بما يحقق الاستفادة القصوى من البنية الأساسية ويخلق فرصًا استثمارية جديدة في قطاعات الإسكان والخدمات والتجارة، إلى جانب مشروع "زمرة" الذي يعكس توجه الجهاز نحو تنويع محافظه الاستثمارية وتعظيم العائد الاقتصادي من أصوله.
وفي الوقت نفسه، يتوسع الجهاز في الاستثمار بمجالات التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والخدمات التكنولوجية، بما يدعم بناء اقتصاد رقمي قادر على مواكبة التحولات العالمية، ورفع كفاءة إدارة وتشغيل المشروعات المختلفة.
آفاق إقليمية للتعاون الاقتصادي
يمتد الدور الاقتصادي لجهاز مستقبل مصر إلى دعم توجه الدولة نحو تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية، من خلال نقل الخبرات المصرية في مجالات الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية وإدارة الموارد.
ويمثل هذا التوسع فرصة لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والشركات المصرية، إلى جانب دعم جهود تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة في القارة الأفريقية.
منصة اقتصادية لمستقبل التنمية
تعكس التحولات التي يشهدها جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة انتقاله من كيان معني بتنفيذ المشروعات إلى منصة اقتصادية واستثمارية متكاملة تجمع بين الإنتاج وإدارة الأصول وجذب الاستثمارات والشراكات المحلية والدولية.
ويجسد هذا النموذج أحد أهم التوجهات التي تعتمد عليها الدولة المصرية لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030، من خلال بناء كيانات إنتاجية واستثمارية قادرة على تعظيم الاستفادة من الموارد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، بما يدعم تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ويفتح آفاقًا جديدة للنمو والاستثمار.




