الوزراء: مصرتهدف للحد من تعرضها لصدمات أسعار الوقود بنشرالطاقه النظيفة 

تعبيرية
تعبيرية

تواجه أسواق الطاقة العالمية تحولات متسارعة بفعل تصاعد الصراعات الجيوسياسية، ما أدى إلى اختلالات ملحوظة في الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز، وقد انعكس ذلك مباشرة على تكاليف الإنتاج الصناعي والنقل، وامتدت آثاره أيضًا إلى الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد العالمية.

دفعت هذه الضغوط المؤسسات والحكومات إلى تبني حلول مبتكرة تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية الذكية للشبكات والتخزين، كما أصبح التحول نحو النقل منخفض الانبعاثات عاملًا رئيسًا للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتعزيز مرونة الأسواق والاقتصادات وترسيخ قدرتها على مواجهة أي صدمات مستقبلية.
و يشير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الي انه في ظل الصراع المستمر في منطقة الشرق الأوسط، تواجه أسواق الطاقة العالمية تحديات غير مسبوقة تتعلق بأمن الإمدادات واستقرار الأسعار، ما دفع الدول والمستثمرين إلى إعادة النظر في الاستراتيجيات المرتبطة بقطاع الطاقة، وتشير التقديرات إلى أن هذه الأزمة أسهمت في تسريع التحول نحو وسائل نقل منخفضة الانبعاثات، وتعزيز الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية اللازمة للاعتماد عليها، بما في ذلك الشبكات الذكية وتقنيات التخزين والذكاء الاصطناعي، وتشكل هذه الديناميات معًا رد فعل عالميًّا متكاملًا يعكس حرص الاقتصادات على الحد من التعرض للصدمات الجيوسياسية وتأمين مسار مستدام للطاقة والنمو الاقتصادي.
 
و من خلال تسارع التحول نحو وسائل النقل منخفضة الانبعاثات يمر قطاع النقل عالميًّا بمرحلة تحول هيكلي متسارع، مدفوعًا بتزايد الضغوط البيئية والالتزامات الدولية المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية، وبالتزامن مع ذلك أدى الصراع في الشرق الأوسط والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز إلى اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط العالمية، وهو ما انعكس مباشرة على قطاع النقل الذي يستحوذ على نحو 57% من إجمالي استهلاك النفط عالميًّا.

وفي هذا السياق، برز التحول العالمي نحو وسائل النقل منخفضة الانبعاثات بوصفه استجابة مباشرة لمخاطر تقلب أسعار النفط وأمن الإمدادات، وذلك من خلال التوسع في كهربة وسائل النقل، وزيادة استخدام الوقود الحيوي، وتعزيز النقل العام والنقل المشترك، إلى جانب التخطيط المتكامل بين قطاعي النقل والطاقة.

ووفقًا لتوقعات الوكالة الدولية للطاقة، من المتوقع أن يظل التحول نحو الكهربة المحرك الرئيس والمكون الأكبر للاستثمارات العالمية في قطاع النقل، والتي توقعت الوكالة أن تصل إلى نحو 360 مليار دولار أمريكي في عام 2026، وتشير التقديرات إلى تصدر الاستثمارات في المركبات الكهربائية بنحو 295 مليار دولار، تليها استثمارات كهربة السكك الحديدية بنحو 44 مليار دولار، ثم استثمارات البنية التحتية العامة لشحن المركبات الكهربائية بما يقرب من 32 مليار دولار، إضافة إلى ذلك فإن نحو خُمس إجمالي الاستثمارات في قطاع النقل لعام 2026 سيُخصص لتحسين كفاءة الطاقة.
كما كشفت الأزمة عن اختلاف قدرة الدول على الصمود أمام الصدمات النفطية، فقد أظهرت التجربة الصينية، التي تجاوزت فيها حصة السيارات الكهربائية أكثر من 50% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة، أن الاعتماد المتزايد على النقل الكهربائي ساعد الاقتصاد الصيني على تقليل تعرضه المباشر لارتفاع أسعار البنزين والديزل، كما برزت تجربة نيبال، التي بلغت فيها حصة السيارات الكهربائية نحو 70% من مبيعات السيارات الجديدة، بوصفها نموذجًا لدولة نجحت في تخفيف آثار تقلبات أسواق الوقود عبر تسريع كهربة قطاع النقل.

وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، سجلت مبيعات السيارات الكهربائية ارتفاعات قوية في كل من آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، نتيجة سعي المستهلكين إلى تقليل تعرضهم لصدمات أسعار الوقود، وتشهد حلول التنقل الكهربائي نموًّا متسارعًا خارج بعض الأسواق الرئيسة الراسخة؛ فمع دخول منطقة جنوب شرق آسيا في خضم الأزمة كانت مبيعات المركبات الكهربائية في المنطقة قد تضاعفت بأكثر من مرتين بحلول عام 2025، لتصل إلى نصف مليون مركبة، وهو ما يمثل حصة سوقية تقارب 20%.

كما أعلنت بعض دول جنوب شرق آسيا (بما في ذلك فيتنام، التي تُعد أكبر سوق للمركبات الكهربائية في المنطقة) بالفعل عن خطط لتوسيع نطاق الحوافز الضريبية الخاصة بهذه المركبات أو تمديدها، وذلك كجزء من استجابتها لأزمة الطاقة.
 
ومن منظور المستهلك، تتجه تفضيلات المركبات بوضوح بعيدًا عن محركات الاحتراق الداخلي (ICE) نحو المركبات الكهربائية، ففي عام 2025، شكلت المركبات الكهربائية التي تعمل بالبطارية (BEVs) ما يقرب من 20% من إجمالي حصة تسجيل المركبات الجديدة، وفي المقابل، تواصل حصة تسجيل المركبات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي انخفاضها، إذ تراجعت حصة المركبات العاملة بالبنزين بنسبة 7% وتلك العاملة بالديزل بنسبة 2%، ويتناقض سلوك المستهلك هذا مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن سياسة تخفف من حدة هدف خفض انبعاثات أسطول المركبات المقرر لعام 2035، ليصبح خفضًا بنسبة 90% بدلًا من 100%.

في المجمل، يُظهر التحول نحو وسائل النقل منخفضة الانبعاثات ارتباطًا وثيقًا بتداعيات صدمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، فكان ارتفاع أسعار النفط وانعدام الاستقرار في الإمدادات عاملين محفزين لاحتضان استراتيجيات السيارات الكهربائية والبنية التحتية الخاصة بها كجزء حيوي من أمن الطاقة المستقبلي.
المصدر
بينما يأتي تنامي الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة بعده طرق فقد أوجد الصراع في منطقة الشرق الأوسط تحولًا مهمًّا في استراتيجيات تخطيط قطاع الطاقة العالمي، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن أمن الطاقة لم يعُد يرتبط فقط بتأمين إمدادات النفط، وإنما أيضًا بامتلاك قدرات محلية لإنتاج الكهرباء والتكنولوجيا النظيفة، ومن ثم أصبحت الكهرباء المنتجة محليًّا من المصادر المتجددة تمثل بالنسبة للعديد من الدول شكلًا من أشكال الاستقلال الاستراتيجي، لأنها تقلل من تأثير الاختناقات البحرية والصراعات الإقليمية.

وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن عام 2025 شهد أكبر زيادة سنوية في قدرات الطاقة المتجددة حتى الآن، بإضافة 692 جيجاوات عالميًّا، وارتفاع إجمالي القدرة المتجددة بنسبة 15.5%. وجاءت الطاقة الشمسية في صدارة هذا التحول بإضافة 511 جيجاوات، تلتها طاقة الرياح بإضافة 159 جيجاوات، أي أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح استمرتا في الهيمنة على توسيع قدرة الطاقة المتجددة في عام 2025؛ حيث شكلتا معًا 96.8% من إجمالي الإضافات الصافية للطاقة المتجددة. ويشير ذلك إلى أن الصراع في الشرق الأوسط جاء في وقت كانت فيه الطاقة النظيفة تشهد بالفعل زخمًا توسعيًّا قويًّا، قبل أن تضيف الأزمة بُعدًا جديدًا إلى أهمية هذا المسار باعتباره استجابة مباشرة لمخاطر الاعتماد على النفط والغاز.

كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة، ارتفاع الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة خلال عام 2026 إلى نحو 3.4 تريليونات دولار بزيادة نحو 5% مقارنة بعام 2025، رغم الاضطرابات الجيوسياسية والتوترات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. وقد ذهب نحو 2.2 تريليون دولار إلى مشروعات الطاقة منخفضة الانبعاثات، بما يشمل الطاقة المتجددة والطاقة النووية والشبكات والتخزين وكفاءة الطاقة والكهرباء، مقابل نحو 1.2 تريليون دولار فقط لقطاعات النفط والغاز والفحم، ما يعكس تحولًا متسارعًا في أولويات الاستثمار العالمي نحو مصادر الطاقة الأقل تعرضًا للمخاطر الجيوسياسية والأكثر ارتباطًا بأمن الإمدادات واستقرار الأسواق.

وقد أثبتت الدول التي ركزت استجابتها للأزمة في اتباع هذه الاستراتيجية قدرتها على الصمود في وجه صدمات الأسعار واضطرابات الإمداد. وبالفعل تُظهر تجربة كل من مصر والاتحاد الأوروبي والعديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة أن تسريع وتيرة الطاقة المتجددة والكهرباء وتوسيع الشبكة الكهربائية يمكن أن يكونا استجابةً مقصودة لظروف الأزمات، وليسا هدفًا ثانويًّا.

فمن جانبها، عززت مصر طموحاتها في مجال الكهرباء المتجددة بشكل ملحوظ؛ فقد رفعت الحكومة هدفها المتمثل في توليد الكهرباء من مصادر متجددة إلى 45% بحلول عام 2028، مُبررةً هذا التحول صراحةً بأنه استجابة لمخاطر أمن الطاقة المتزايدة والضغوط المالية الناجمة عن تقلبات واردات الوقود الأحفوري. ومن خلال تسريع نشر الطاقة النظيفة، تهدف مصر إلى تقليل تعرضها لصدمات أسعار الوقود، مع ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للطاقة المتجددة.

وعلى المستوى الأوروبي، اقترحت المفوضية الأوروبية تسريع وتيرة التحول إلى الكهرباء في القطاعات الرئيسة، ووضع خطط لتسريع توسيع شبكات الكهرباء وقدرات توليد الطاقة المتجددة، بما يؤكد الاتجاه نحو بذل جهد لمعالجة الأزمة من خلال خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل جذري بدلًا من تعويض تكاليفه مؤقتًا.

وتستهدف الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين (2026 - 2030) حصة 30% من الكهرباء في الاستهلاك النهائي للطاقة؛ ما يجعل الكهرباء محورًا أساسيًّا لطموحها في مجال أمن الطاقة. أما برنامج التحول الأخضر الياباني، فيُسرِّع إعادة تشغيل المحطات النووية لتقليل الاعتماد المكلف على الغاز الطبيعي المسال.

بالفعل تسارعت الاستثمارات في مصادر الطاقة المحلية مع تزايد المخاوف من الاعتماد على الواردات؛ حيث ارتفعت الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة إلى نحو 665 مليار دولار سنويًّا، منها 365 مليار دولار للطاقة الشمسية وحدها، إضافة إلى 200 مليار دولار لطاقة الرياح و75 مليار دولار للطاقة الكهرومائية.

كما ارتفع الإنفاق على البطاريات وتوسعة الشبكات الكهربائية بصورة ملحوظة، بعد سنوات من تباطؤ الاستثمار في هذا القطاع. ومن المتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على الشبكات نحو 550 مليار دولار أمريكي في عام 2026، بزيادة تقارب 20% على أساس سنوي، في حين سيتجاوز الإنفاق على البطاريات المخصصة لقطاع الطاقة حاجز الـ 100 مليار دولار أمريكي.

وفي يناير 2026، وقَّعت تسع دول ومشغلو أنظمة النقل والمجموعات الصناعية على ميثاق استثمار لبحار الشمال، يستهدف بناء 15 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية سنويًّا بين عامي 2031 و2040. ومن المتوقع أن تطلق هذه المبادرة 1.2 تريليون دولار من النشاط الاقتصادي وتوجيه أكثر من 11 مليار دولار إلى القدرة التصنيعية لسلسلة التوريد بحلول عام 2030.

وشهدت الطاقة النووية توسعًا واضحًا مع وجود 78 جيجاوات من القدرات الجديدة قيد الإنشاء في 15 دولة، وارتفاع الاستثمارات السنوية إلى أكثر من 80 مليار دولار، وهو ما يؤكد أن الطاقة النووية تشهد عودة قوية قد تكتسب المزيد من الزخم، في ظل سعي عدد متزايد من الدول لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتعزيز أمن الكهرباء.

وقد تؤدي صدمة الطاقة الحالية إلى تحفيز استثمارات جديدة تهدف إلى تنويع مزيج التكنولوجيا المستخدمة، بما في ذلك المفاعلات النمطية الصغيرة (SMRs). وقد وضعت أكثر من 40 دولة سياسات لدعم التوسع في استخدام الطاقة النووية؛ مما يعكس تحولًا في المواقف تجاه هذه التكنولوجيا.

تُعَد الاضطرابات الجيوسياسية عاملًا مُسرّعًا لاقتصاديات الكهرباء، فأزمة الطاقة التي صاحبت الصراع الأمريكي الإيراني رفعت أمن الطاقة إلى صدارة أولويات صنع السياسات، مع اتجاه مستوردي الطاقة نحو استراتيجية "الدولة الكهربائية" (Electro State)، والتي تُمثّل الأسواق التي تستمد ميزتها الاستراتيجية من الكهرباء المنتجة محليًّا، ويستند منطق "الدولة الكهربائية" إلى ما يمكن وصفه بمضاعف الكفاءة الناتج عن الكهربة؛ فتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة يعمل بكفاءة تحويل تقترب من 100%، مقارنة بنحو 30% إلى 55% في محطات الوقود الأحفوري.

وبذلك، فإن كل وحدة من الكهرباء المتجددة المنتجة محليًّا يمكن أن تغني عما يعادل مرتين إلى 12 مرة من الطاقة الأولية المستوردة من الوقود الأحفوري، وهو ما يعني أن هشاشة الدول أمام واردات الطاقة ومخاطر الإمداد قد تتراجع بوتيرة أسرع بكثير مما توحي به معدلات التوسع الظاهرة في مجال نشر الطاقة المتجددة.

بالنسبة لأسواق استيراد الطاقة التي تعاني من تضخم مستمر في تكاليف الوقود، توفر الكهرباء سبيلًا للحصول على طاقة بأسعار معقولة؛ حيث تتراوح تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة بين 30 و60 دولارًا أمريكيًّا لكل ميجاوات/ساعة، مقارنة بنحو 70 إلى 120 دولارًا أمريكيًّا/ميجاوات ساعة للكهرباء المولدة من الغاز، وهو ما يعزز ميزة التكلفة الهيكلية للطاقة النظيفة على الوقود الأحفوري.

استنادًا لذلك، تكشف تقديرات وكالة "فيتش" أن فجوات التكلفة تُرجّح كفة الكهرباء في مختلف القطاعات، لتتحسن اقتصاديات الأصول الكهربائية مقارنةً بالبدائل الأحفورية خلال العقد الحالي في مختلف القطاعات. فيما يقود قطاعا الطاقة والمباني جهود خفض الانبعاثات الكربونية؛ حيث ارتفعت حصص الكربون المنخفضة بنسبة 9.8 و4.5 نقاط مئوية على التوالي، مدفوعةً بتأثير ترتيب الجدارة؛ إذ تحل مصادر الطاقة المتجددة ذات التكلفة الحدية شبه الصفرية محل محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز.

وتشير التقديرات إلى أن مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات تشكل أكثر من 70% من إجمالي الاستثمارات في توليد الطاقة عالميًّا في عام 2026؛ مما يعكس إقبالًا متزايدًا من المستثمرين والحكومات على هذه المصادر بدلًا من الوقود الأحفوري.


و يشير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الي ان كشفت هذه الحرب عن اتجاه الدول لاتخاذ إجراءات وسياسات من شأنها تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري تحقيقًا لأمن الطاقة لديها. فقد كشفت الحرب الأمريكية الإيرانية أن أمن الطاقة لم يعُد يرتبط فقط بوفرة النفط والغاز، بل بقدرة الدول على تقليل تعرضها للصدمات الجيوسياسية في مناطق العبور والإنتاج أيضًا. فاضطراب إمدادات النفط والغاز، وما ترتب عليها من ارتفاع الأسعار، والتأثير على باقي السلع والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد المختلفة، وغير ذلك من تأثيرات، قد أعاد التأكيد على أن الاعتماد المتزايد على الوقود الأحفوري المستورد يظل نقطة ضعف استراتيجية تعاني منها الدول المستوردة: متقدمة كانت أو نامية.

ومن ثَمَّ، وانطلاقًا من هذه الأزمة، وما استتبعها من تأثيرات سلبية مختلفة الحدة من دولة لأخرى ومن قطاع لآخر، فإنه من المرجح أن تزيد الدول من وتيرة استثماراتها في الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والتخزين، وكفاءة الطاقة، وتنويع مصادر الإمداد، ليس فقط باعتبارها خيارات بيئية، بل كأدوات مباشرة لتعزيز أمن الطاقة وتقليل مخاطر الصدمات الجيوسياسية في المستقبل.

وقبل الحرب، كانت الوكالة الدولية للطاقة تتوقع أن يرتفع الطلب على النفط بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًّا بين عامي 2024 و2030، ليصل إلى مستوى مستقر يقارب 105.5 ملايين برميل يوميًّا بحلول نهاية العقد. ولم يكن الجدل يدور حول ما إذا كان الطلب سيستمر في النمو، بل حول مدى سرعة تباطؤ هذا النمو.

أما الآن، فتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يكون الطلب العالمي على النفط في عام 2026 أقل بنحو 1.3 مليون برميل يوميًّا مما كان متوقعًا قبل الحرب. ويعكس جزء من هذا الانخفاض ضعف الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار، لكن الجزء المتبقي يعكس التكيف. ففي مواجهة الإمدادات المقيدة وحالة عدم اليقين غير المسبوقة بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، سرَّعت الحكومات والصناعات جهودها لتقليل اعتمادها على النفط.

وعلى الرغم من أن رد فعل أسواق الطاقة العالمية على الحرب يبدو هادئًا على نحو مفاجئ في مواجهة أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ الطاقة الحديث، لكن هذا الهدوء النسبي يخفي واقعًا أكثر إثارة للقلق، إذ جرى السحب من المخزونات العالمية بوتيرة قياسية، مما ترك هامش أمان أقل بكثير في حال استمر الاضطراب. فقبل اندلاع الحرب، كان ما بين 125 و140 سفينة تمر يوميًّا عبر مضيق هرمز.

لكن الأشهر الثلاثة الماضية أظهرت أن المضيق لا يحتاج إلى أن يُغلق رسميًّا حتى تتعطل حركة الملاحة، فقد أدى انخفاض حركة ناقلات النفط، والتهديدات البحرية، وزرع الألغام، وانسحاب شركات التأمين، والعمليات العسكرية، واستمرار حالة عدم اليقين إلى تعطيل التدفقات عبر المضيق وإجبار الحكومات والشركات على إعادة التفكير في افتراضاتها التقليدية بشأن أمن الطاقة.  

وقد عملت الدول على التكيف مع هذه الأزمة وتبعاتها، وقد كان هذا التكيف أكثر وضوحًا في آسيا، وخاصة في الصين، والتي كانت تستورد قبل الحرب نحو 11 مليون برميل يوميًّا، ومنذ ذلك الحين، انخفضت الواردات بشكل حاد نتيجة السحب من المخزونات، وتعديل عمليات التكرير، واستبدال الفحم ليحل محله بعض المواد الأولية البتروكيميائية، وإبطاء زيادة المخزون، وتطبيق إجراءات ترشيد الاستهلاك.

ولا يقتصر الأمر على الصين وحدها، فقد اعتمدت الحكومات في مختلف أنحاء آسيا ومناطق أخرى من العالم بشكل متزايد ما يمكن وصفه بإجراءات البقاء، فقد تم تخفيض ساعات العمل مع زيادة العمل من المنزل، وفرض قيود على استخدام أجهزة التكييف، وتقنين الاستهلاك الصناعي، وتقديم الدعم الطارئ للأسر الأكثر احتياجًا، وتخفيض الضرائب، والدعم المباشر للمدخلات الزراعية، وكلها جزء من أدوات السياسات العامة. وقد أدخلت أكثر من 100 دولة إجراءات تهدف إلى تخفيف الأثر الاقتصادي الناتج عن اضطرابات إمدادات الطاقة.

وقد تم تصميم هذه السياسات للحفاظ على عمل الاقتصادات واستقرار المجتمعات، وهو ما يعزز الحجة بأن أمن الطاقة لم يعُد يعني مجرد ضمان توفر الوقود بكميات كافية، بل يجب أن يشمل أيضًا التنويع، والقدرة على التعويض والمرونة، والاحتياطيات الاستراتيجية، والبنية التحتية المحصنة، ومسارات النقل البديلة، والمرونة في استخدام أنواع الوقود المختلفة، وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.   

 
على الرغم من الآثار المترتبة على الصراع في منطقة الشرق الأوسط، فمن المتوقع أن ترتفع تدفقات رؤوس الأموال إلى قطاع الطاقة لتصل إلى 3.4 تريليونات دولار في عام 2026، بزيادة قدرها 5% مقارنة بعام 2025. ومن المتوقع أن يُوجَّه نحو 2.2 تريليون دولار بصورة مجمعة إلى الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، وشبكات الكهرباء، وتخزين الطاقة، والوقود منخفض الانبعاثات، وكفاءة الطاقة، والتحول نحو استخدام الكهرباء، في حين يُتوقع استثمار نحو 1.2 تريليون دولار في النفط والغاز الطبيعي والفحم.
 
أزمة الطاقة الراهنة جاءت بعد فترة قصيرة من أزمة الطاقة العالمية خلال (2021 – 2023)، وعليه من المتوقع أن تعيد ترسيخ أمن الطاقة كأولوية لدى صناع القرار، وتبرز المؤشرات على أن شركات النفط تعيد النظر في توقعاتها للسنوات المقبلة، انطلاقًا من افتراض أن أسعار النفط ستستقر عند مستويات أعلى من مستويات ما قبل الصراع، مع اتجاه الدول إلى إعادة تكوين مخزوناتها الاستراتيجية.  
 
من المتوقع أن تؤدي التحولات في إدراك المخاطر وموثوقية الإمدادات إلى تنشيط الاهتمام بمصادر الطاقة المحلية، خاصة لدى الدول المستوردة للوقود، ويشمل ذلك تعزيزالاعتماد على الطاقة المتجددة والطاقة النووية، مع احتمال عودة بعض الدول إلى الفحم كخيار انتقالي.  
 
ومن المتوقع أيضًا أن ترتفع الاستثمارات في الوقود منخفض الانبعاثات، وإن كانت تنطلق من قاعدة منخفضة، لتصل إلى نحو 30 مليار دولار، وبينما قد تحقق بعض أنواع الوقود الحيوي مكاسب إضافية نتيجة الأزمة، خاصة عندما تُستخدم بديلًا للوقود المستورد، فإن هذه المكاسب قد تتراجع بفعل تنامي المخاوف بشأن تأثيرها المحتمل على الأمن الغذائي، كما أن معظم أنواع الوقود منخفض الانبعاثات يحتاج إلى دعم سياسي ومالي كبير، وهو ما قد يمثل تحديًا في ظل الأوضاع المالية الضاغطة الحالية.
 
على الرغم من الأعباء الناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود ارتباطًا بالحرب الأمريكية الإيرانية، فإن بعض الدول الإفريقية الغنية بالنفط والغاز قد تستفيد على المديين المتوسط والطويل، حيث يدرس المستثمرون في قطاع الطاقة توجيه مزيد من رؤوس الأموال إلى الدول الإفريقية المصدرة للطاقة التي تُعد أكثر أمانًا نسبيًّا، وتسريع عدد من مشروعات الغاز والغاز الطبيعي المسال التي ظلت متعثرة لفترات طويلة، في وقت تواجه فيه الاقتصادات المستوردة للطاقة ظروفًا تمويلية أكثر صعوبة، ومن المرجح أن تشهد خريطة المستثمرين في إفريقيا تغيرات مهمة خلال الفترات القادمة.

أخيرًا، فقد برزت مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي كعامل رئيس في توجيه الاستثمارات الجديدة في الطاقة، وتجاوز إجمالي الاستثمارات المرتبطة ببناء البنية التحتية لمراكز البيانات عالميًّا 100 مليار دولار خلال 2025، وهو رقم يفوق إجمالي ما استثمرته إفريقيا بالكامل في قطاع الطاقة خلال العام نفسه. وقد أصبح توافر الكهرباء منخفضة التكلفة والموثوقة عاملًا رئيسًا في المنافسة العالمية على تقنيات الذكاء الاصطناعي والصناعات الرقمية.
 

 
 
 

 

ترشيحاتنا