أخر الأخبار

طبقية أم خصوصية؟ .. أثرياء الساحل الشمالي يشعلون الجدل على منصات التواصل الاجتماعي

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

«مستاء من وجود مواطنين في بلد المواطنين»، «الراجل خايف على مية البحر تخلص»، و«أنا دافع ملايين عشان أشوف الموج لوحدي»، بتلك التعليقات، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة عارمة من الجدل عقب تداول مقطع فيديو لأحد ملاك الشاليهات بقرية مشهورة بالساحل الشمالي، وهو يعبر بنبرة حادة عن استيائه الشديد من دخول من وصفهم بـ "الغرباء" أو المصطافين غير المقيمين إلى الشاطئ الخاص بالقرية.

الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم والمثير للجدل، لم يكن مجرد شكوى عابرة من تكدس شاطئي، بل تحول إلى مرآة عكست انقساماً مجتمعياً حاداً حول مفاهيم الخصوصية، والمواطنة، وفجوة الطبقات المعاصرة.

وانقسمت ردود أفعال المتابعين على السوشال ميديا إلى معسكرين واضحين، حيث انطلق المعسكر الرافض لمهاجمة سلوك صاحب الفيديو، معتبرين حديثه تجسيداً صارخاً "للطبقية المرفوضة" والتعالي على بقية المواطنين، حيث رأى منتقدو الفيديو أن محاولة احتكار الشواطئ والمساحات المفتوحة تعكس رغبة في عزل الذات وبناء جدران تمنع التقاء الفئات المجتمعية، مشددين على أن القانون يضمن للجميع حق الاستمتاع بالثروات الطبيعية كالبحر.

على الجانب الآخر، وقف المعسكر المؤيد مدافعاً عن حق المالك في إطار ما سموه "الحق التعاقدي والخصوصية والاستثمار"، وأوضح المدافعون أن الملاك يدفعون مبالغ طائلة مقابل ميزات الخصوصية، والهدوء، والأمن داخل المجمعات المغلقة (Compounds)، وأن فتح البوابات بشكل عشوائي يمثل إخلالاً بالخدمات المرجوة وتعدياً على مساحات مدفوعة الأجر لشركات التطوير العقاري.

ويفسر خبراء علم النفس هذا السلوك بظاهرة "التميز الاجتماعي الزائف" أو (Social Snobbery)، حيث يسعى الفرد لربط قيمته الإنسانية بحصرية المكان وثمن العقار، وتتحول المساحة الجغرافية هنا إلى أداة لتعويض القلق الداخلي عبر رسم حدود وهمية تفصله عن "الآخرين" للحفاظ على شعور زائف بالتفوق النفسي والمجتمعي.

وفى نفس الوقت أكد علماء الدين أن هذا المظهر يتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي تؤكد أن الناس سواسية كأسنان المشط، وتنهى عن الكبر والتعالي (لقوله تعالى: "وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ")، كما تُجمع الفتاوى والأصول الدينية على أن "الماء، والكلأ، والنار" هي منافع عامة لا يجوز حظرها أوالاستئثار بها بما يمنع المحتاج أو عابر السبيل من الاستمتاع بالنعم الإلهية، طالما لم يحدث ضرر مباشر بالملكية الخاصة.

كما أكدو على أن الفيديو وما تلاه من نقاشات يمثل دعوة صريحة سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة لترسيخ الطبقية الاجتماعية الجغرافية، وعزل "أغنياء الساحل" عن بقية نسيج المجتمع، وخطورة هذه الظاهرة تكمن في تحويل الفروق الاقتصادية الطبيعية إلى فوارق إنسانية وقيمية، مما يهدد السلم المجتمعي ويزيد من حدة "الاحتقان الطبقي" بين فئات المجتمع، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تتطلب تلاحماً وتكافلاً أكبر بدلاً من التراشق بالألقاب وتصنيف البشرعلى أساس البوابات والشواطئ.

القانون المصري حسم الجدل حول ملكية الشواطئ بنصوص حازمة، حيث تنص المادة (73) من قانون الموارد المائية والري الجديد على أن الشواطئ البحرية هي "ملك عام للدولة" (منفعة عامة)، ويحظر تماماً إقامة أي منشآت أو تسييج يمنع المواطنين من حق الدخول المجاني أوالاستمتاع بالبحر، وتعتبر التعاقدات مع القرى السياحية حظر الدخول مخالفة قانونية، ما لم يكن الشاطئ مخصصاً كحق انتفاع مشروط بعدم حجب الرؤية أو المرور.

وتنص المادة (93) من قانون الري المصري الجديد على معاقبة الشركات التي تحظر دخول الشواطئ العامة أو تغلقها بغرامة مالية تصل إلى 200 ألف جنيه، مع إلزامها بإزالة المخالفات على نفقتها الخاصة، وفي حال التكرار، تضاعف العقوبة مع إمكانية إلغاء رخص انتفاع القرية السياحية بالشاطئ نهائياً.

وفى الوقت نفسة نشر عدد من الفنانين وصنّاع المحتوى مقاطع فيديو قصيرة (Reels) عبر حساباتهم، يقلدون فيها نبرة المتحدث الأرستقراطية بشكل مبالغ فيه للتأكيد على "عبثية فكرة امتلاك البحر أو الانزعاج من رؤية بقية البشر" ومنهم الفنانين، أحمد وفيق وبشرى، مشيرين إلى أن مثل هذه التصرفات تسيء لمرتادي الساحل الشمالي أنفسهم، وتخلق صورة ذهنية مشوهة تعزل الفن والمجتمع المخملي عن النسيج الشعبي الحقيقي

كما تفاعل أيضا نجوم الموسيقى الشباب عبر إعادة نشر الفيديو مع خلفيات موسيقية ساخرة، معلقين بأن "البحر خلق للجميع وليس حكراً على من يدفع أكثر"، موجهين رسائل مبطنة ترفض تصنيف المواطنين إلى طبقات على أساس، كما انتشرت تصميمات ساخرة لمحاكاة بوابات إلكترونية تطلب كشف حساب بنكي قبل السماح للمصطاف برؤية الموج، مما حول الأزمة الطبقية إلى مادة للضحك الساخر التي عكست وعي الجمهور برفض الاستعلاء ومساندة مجانية الطبيعة.

 

 
 
 

 

ترشيحاتنا