كنتُ أظنّ أن الحياة ثابتة، وأن قناعاتي نهائية، وأن نظرتي إليها لن تتبدّل، كنت أعتقد أنني أراها على حقيقتها، وأن العالم يسير كما هو لا يتغير، لكنني مع مرور الزمن أدركت أن الذي يتبدّل حقًا ليس الحياة من حولنا، بل نحن من يتغير، عدستنا الداخلية هي التي تنضج، ومشاعرنا هي التي يُعاد تشكيلها بهدوء، حين نكبر، لا تتغير السنوات فقط، بل تتغير اهتماماتنا، وطريقة تفكيرنا، وحتى الأشياء التي كانت تؤثر فينا يومًا ما تفقد قدرتها على ذلك، فجأة نكتشف أننا لم نعد الأشخاص أنفسهم؛ كأننا نعبر من نسخة قديمة من ذواتنا إلى أخرى أكثر وعيًا واتزانًا.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الأفكار والقناعات، بل امتدّ إلى تفاصيل أدقّ؛ حتى رائحة الأشياء لم تعد كما كانت، وطعم اللحظات تغيّر، والإحساس بالزمان والمكان أصبح مختلفًا،الأماكن التي عرفتها يومًا لا تستقبلك بالشعور ذاته، والوجوه التي اعتدتها اصبحت تراها بعينٍ أكثر هدوءًا، وكأن التجارب لا تعلّمنا فقط كيف نفكّر، بل تعيد تشكيل حواسنا أيضًا.
أتذكر كم كنت أجادل طويلًا في كل نقاش لأثبت أنني على صواب، وكم كانت خسارة جدالٍ صغير تؤرقني لساعات، وكأنها معركة خاسرة لا تُحتمل، أما اليوم، فإذا وجدت نفسي في موضع نقاشٍ حاد، قد أبتسم وأغيّر الموضوع، لا ضعفًا ولا هروبًا، بل لأن راحتي صارت أهم من انتصارٍ عابر، سابقًا كنت أبحث عن إثبات رأيي، أما الآن فأبحث عن راحة بالي،لم تعد الماديات تحتل المكانة ذاتها في قلبي، ولم أعد أسمح لاختلافٍ عابر أن يهدد علاقة أو يطفئ مودة، أدركت متأخرًا أن بعض الانتصارات الصغيرة قد تكلّفنا أشياء كبيرة، وأن العلاقات الصادقة أثمن من أن تُرهَق بإثباتٍ لا يغيّر شيئًا، اليوم صارت الروابط الإنسانية أصدق وأعمق، وصار الحفاظ عليها أولى من كسب أي جدال.
ومع هذا التحوّل، لم يتغير أسلوبي في النقاش فقط، بل تغيّرت علاقتي بالماضي أيضًا، هناك مواقف كانت تستنزفني طويلًا، وأشخاص كنت أظن أنني لن أستطيع تجاوز أثرهم في داخلي، كنت أحمل الغضب كأنه حقّ مشروع، وأستعيد الذكريات المؤلمة مرارًا كأنني أعيد فتح جرحٍ لم يلتئم بعد،أما اليوم، فأسترجع كثيرًا من تلك الأحداث بهدوءٍ غريب، كأنها وقعت لشخصٍ آخر لا يشبهني تمامًا، تعلّمت أن التسامح لا يعني تبرير الخطأ، بل يعني تحرير نفسي من ثقله،وتوقفت عن مقارنة حياتي بحياة الآخرين، لأن لكل إنسان رحلته الخاصة وتوقيته المختلف، صار النضج بالنسبة لي أن أختار السلام بدل الاستنزاف، وأن أترك ما مضى في مكانه دون أن أسمح له بأن يتحكم في حاضري.
ومع اتساع هذا الوعي، تغيّرت نظرتي للوقت أيضًا، لم أعد أتعامل معه كشيءٍ مؤجل أو مضمون، بل كنعمةٍ عابرة لا تتكرر، أدركت أن الأيام لا تعود، وأن اللحظات الصغيرة التي كنا نؤجلها بحجة الانشغال هي في الحقيقة جوهر الحياة، صرت أقدّر الجلسات الهادئة، ومكالمةً صادقة مع من أحب، ونزهةً قصيرة بلا هدف سوى التنفّس بعمق، لم يعد الإنجاز الصاخب يغريني بقدر ما يغرينـي الشعور بالسكينة، وحين فهمت أن الوقت يمضي سواء امتلأ بالقلق أو بالامتنان، اخترت أن أعيشه بوعيٍ أكبر، وأن أقدّم الجميل الآن بدل تأجيله إلى غدٍ قد لا يأتي كما نتوقع.
باختصار، لم تعد الحياة ساحةً لإثبات الذات كما كنت أظن، بل مساحةٌ لاحتضان الذات وفهمها، تغيّرت أولوياتي، وخفّ صخبي الداخلي، وصرت أبحث عن المعنى لا المظاهر، وعن الراحة لا التصفيق، ومع كل سنة تمضي، أزداد يقينًا أن النضج لا يعني أن نكبر في العمر فقط، بل أن نصغر في اندفاعنا، ونكبر في حكمتنا، وأن نختار السلام كلما خُيّرنا بينه وبين الضجيج، فحين يتغيّر وعينا، تتغيّر الحياة من حولنا، لا لأنها تبدّلت، بل لأننا أخيرًا بدأنا نراها كما ينبغي.
...كل خطوة نحو ذاتك... هي خطوة نحو الطريق الصحيح.



