أبي رجل قوي، حمل البيت على كتفيه في أصعب الأوقات، وعندما اشتدت العواصف وقف أمامها كالسد المنيع. لذلك كنت دائمًا أشعر أنني ابنته المدللة، التي يخاف عليها من كل خطر، ويسهر من أجل راحتها ومستقبلها. لكن يا أبي... البيت لا يحيا بقوة الأب وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى أمٍ تشعر بأبنائها، تسمع شكواهم، وتتحمل من أجلهم قبل أن تطلب منهم أن يتحملوا من أجلها. يا أبي، اختر لنا أمًا ترعانا، ترى فينا أبناءً لا أرقامًا، وتحسب أحلامنا قبل حساب دفاترها، وتبحث عن راحتنا قبل راحتها. اختر لنا أمًا إذا ضاقت الأحوال ضحت من أجلنا، لا أمًا ترى أن الأبناء هم من يجب أن يضحوا دائمًا من أجل خططها ومصالحها. نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن المعجزات. كل ما نريده أن نشعر بأن من يدير شؤون البيت يسمع نبضنا، ويشعر بما نشعر به، ويدرك أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بالمشروعات والأرقام، بل تقاس أيضًا بقدرة الناس على العيش بكرامة وأمل. يا أبي... لقد علمتنا أن الوطن أسرة كبيرة، وأن المسؤولية أمانة ثقيلة. لذلك نناشدك أن تنظر إلى أحوال أبنائك، وأن تختار دائمًا من يضع مصلحة الأسرة كلها فوق أي اعتبار آخر. فالأبناء يصبرون كثيرًا، ويتحملون كثيرًا، لكنهم يحتاجون بين الحين والآخر إلى من يربت على أكتافهم ويقول لهم: "أشعر بكم، وأعمل من أجلكم." وما زلت، رغم كل شيء، بنت أبي المدللة... أؤمن أن الأب الذي حمى البيت من الانهيار قادر أيضًا على أن يجعل داخله أكثر دفئًا ورحمة وعدلًا.



