في زمن تلاشت فيه الحدود بين الواقع والافتراضي، وأصبحت المشتتات تلاحق عقول أبنائنا من كل حدب وصوب، يبرز النجاح الحقيقي كأعجوبة تستحق أن نقف أمامها فخورين، ممتنين. واليوم، لا أكتب بمجرد حبر وقلم، بل بمداد من نبضات قلبي وفخري الأبوي الذي يعانق السماء، لأروي قصة نجاح تضيء عائلتي "سجدة" ابنتي الغالية، مبروك من أعماق قلبي اجتياز عتبة النجاح والتفوق في الشهادة الإعدادية.
إن هذا النجاح يا ابنتي لم يكن مجرد عبور لمحطة دراسية عادية، بل كان معركة حقيقية خاضتْها "سجودة" بكل بسالة وإصرار، وكنتُ أراقبها خطوة بخطوة بكثير من الدعاء والقلق الأبوي. فاليوم، لا يتوقف الأمر عند حدود الكتاب والقلم كما كان الحال في زمني الماضي؛ حين كانت بيوتنا تسكن في هدوء تام بمجرد إغلاق التلفاز، وحين كانت وسائل الترفيه محدودة تترك للعقل مساحة للتركيز دون عناء كبير. أما اليوم، فقد تغير وجه الحياة تمامًا، وأصبح التفوق الدراسي يتطلب منكِ يا حبيبتي قوة إرادة مضاعفة وجهدًا استثنائيًا لمقاومة طوفان التكنولوجيا الحديثة.
لقد عشتِ معي وتحت عيني عامًا دراسيًا مليئًا بالإرهاق، والسهر، والمذاكرة المستمرة. وكم كان يتقطع قلبي رفقاً بكِ وأنتِ تواجهين تحديات معاصرة شرسة تلتهم الوقت التهامًا. فبين شاشات التلفزيون الذكية، وشاشات الموبايل التي تلازم الأيدي كظلها، وتطبيقات التواصل والألعاب التي صُممت لسرقة الانتباه، كان على "سجدة" أن تضع حدًا فاصلاً بين المتعة والمسؤولية. كان عليكِ أن تقاومي إغراء "الإشعارات" المتتالية، وتغلقي شاشتكِ الصغيرة لتفتحي كتبكِ الكبيرة. لقد رأيتكِ بعين الأب الفخور وأنتِ تحولين تشتت الجيل الحالي إلى تركيز صلب وعزيمة لا تلين.
ابنتي الحبيبة..
كمية الجهد والضغط النفسي والعصبي التي واجهتِها أيتها البطلة الصغيرة كانت تفوق سنوات عمركِ، لكنكِ أثبتِّ لي وللجميع أن معدنكِ الأصيل يلمع وسط التحديات. لم تستسلمي لثقافة "السهل الممتنع" التي تروج لها الشاشات، بل اخترتِ الطريق الأصعب، طريق السهر والتعب والتحصيل الجاد، مؤمنةً بأن لكل مجتهد نصيبًا، وأن طعم النجاح يمحو كل مرارة سبقتْه.
إنني اليوم، كأب، لا أحتفل فقط بشهادتكِ، بل أحية فيكِ هذا النموذج الملهم لكل أبناء جيلكِ. لقد أثبتِّ لي يا "سجودة" أن إرادتكِ أقوى من الشاشات، وأن تركيزكِ يهزم المشتتات، وأن من تملك طموحًا كطموحكِ لا يمكن لعالم افتراضي أن يسرق منها أحلامها الحقيقية.
مبارك لكِ هذا التميز يا قطعة من قلبي، ومبارك لي ولعائلتنا ثمرة كفاحكِ ونضجكِ. سأظل دائمًا سندكِ وظلّكِ، وننتظر منكِ مستقبلاً باهرًا في الثانوية وما بعدها، مستقبلاً يشبه جمال قلبكِ ونقاء روحكِ وعزيمتكِ التي لا تنكسر.
ألف مبروك يا أميرة أبيكِ.



