آلاف السودانيين يعودون إلى بلادهم عبر رحلات برية وبحرية وجوية مجانية، في مشهد يجمع بين ألم الفراق وأمل إعادة البناء، وسط خطط حكومية لدعم العائدين بمشاريع تنموية.
في مشهد حمل الكثير من مشاعر الحنين والأمل، يواصل آلاف السودانيين المقيمين في مصر رحلة العودة إلى وطنهم، عبر مبادرة مدنية رسمية هي "لجنة الأمل للعودة الطوعية"، التي تعمل بتنسيق كامل مع مؤسسات الدولة السودانية والسفارة السودانية بالقاهرة، لتسهيل عودة الراغبين في العودة الطوعية إلى بلادهم.
مبادرة وطنية برؤية إنسانية
انطلقت لجنة الأمل للعودة الطوعية من منطلق المسؤولية الوطنية والواجب الإنساني تجاه أبناء الشعب السوداني الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم بسبب حرب 15 أبريل 2023، وإيماناً بحقهم الأصيل في العودة الطوعية الآمنة والكريمة إلى ديارهم.
وتؤكد اللجنة في بيانها التأسيسي على مبدأ "العودة الاختيارية" دون أي إكراه، مع التزام تام بقوانين العمل التطوعي واحترام سيادة الدول المستضيفة.
وقد حظيت المبادرة بدعم ورعاية رسمية، حيث أكد رئيس مجلس الوزراء السوداني د. كامل إدريس أن "قضية العودة الطوعية هي قضية قومية ملحة تتطلب تضافر جهود أبناء الوطن الخُلّص"، مشدداً على أنه "لا عودة قسرية على الإطلاق".
آلية التسجيل: منصة إلكترونية وأولوية للحالات الإنسانية
توفر اللجنة منصة إلكترونية مركزية لتنظيم عمليات السفر، حيث يمكن للراغبين في العودة التسجيل عبر موقع لجنة الأمل الإلكتروني، وتعبئة استمارة التسجيل الرسمية التي تشمل البيانات الشخصية (فردي/عائلي)، الوضع القانوني، وتحديد وجهة العودة النهائية في السودان.
وتُعطى الأولوية في الفرز والتفويج للحالات الإنسانية العاجلة، وتشمل:
· الموقوفون والمحاكمون في قضايا تتعلق بالإقامة (بالتنسيق مع الجهات المختصة)
· المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية صحية مستعجلة
· كبار السن والنساء لضمان سلامتهم وتوفير مرافقة مناسبة لهم
· الطلاب المرتبطون ببرامج دراسية وامتحانات في السودان
· الأسر السودانية تفويج عائلي ميسّر للحفاظ على تماسك الأسرة
ويُطلب من المتقدمين الاحتفاظ برقم الطلب بعد إتمام التسجيل، لمتابعة حالة الطلب لاحقاً ومعرفة تطورات إجراءات العودة.
وسائل نقل متعددة: براً وبحراً وجواً
تعتمد اللجنة على توفير وسائل نقل مجانية وآمنة للمسجلين، تشمل ثلاثة مسارات رئيسية:
النقل البري: تسيير رحلات مستمرة عبر قوافل الباصات والحافلات السفرية من محافظات القاهرة والإسكندرية نحو المعابر الحدودية. وقد اعتمدت المرحلة الأولى على الحافلات، حيث تم نقل 10 آلاف سوداني عبر 187 حافلة.
النقل بالسكك الحديدية
تم إطلاق رحلات "قطار الأمل" من القاهرة إلى أسوان، ومنها إلى السودان. وتتسع القطارات لنحو 1200 راكب في الرحلة الواحدة، وتستغرق الرحلة نحو 15 ساعة. وقد تم تشغيل قطارين أسبوعياً بسبب كثافة الطلب.
النقل الجوي
تم تدشين دفعات من المرحلين جواً للحالات الاستثنائية، حيث انطلقت أولى طائرات الأمل وعلى متنها 107 من المحتجزين وكبار السن والمرضى، بتبرعات من رجال المال والأعمال.
إنجازات وأرقام تعكس نجاح المبادرة
تشير التقارير إلى أن أكثر من 200 ألف سوداني عادوا منذ بداية 2025، وسجل شهر يونيو أعلى معدل للعودة بنحو 27 ألف سوداني. كما تم تسيير 21 رحلة عبر لجنة الأمل، نقلت أكثر من ألف سوداني في دفعة واحدة.
وفي تطور لافت، أعلنت هيئة وادي النيل للملاحة النهرية عن الاستعداد لإطلاق أولى رحلات العودة الطوعية عبر النقل النهري، حيث تستهدف الباخرة "سيناء" نقل نحو 600 راكب في الرحلة الواحدة بين السد العالي ووادي حلفا، بطاقة استيعابية تصل إلى 10 آلاف مواطن خلال الأشهر المقبلة.
دعم حكومي وخطط اقتصادية للعائدين
أكدت الحكومة السودانية وضع خطة خمسية للفترة من 2026 إلى 2030 تستهدف دعم أكثر من ثلاثة ملايين مشروع صغير ومتناهٍ في الصغر ومشروعات لريادة الأعمال، بهدف توفير فرص العمل وتحسين سبل كسب العيش للمواطنين داخل السودان والعائدين من الخارج.
وكشف وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح عن تنفيذ 500 ألف مشروع خلال عام 2026 للشباب والنساء عبر شراكات تنموية متعددة، إضافة إلى جاهزية أكثر من عشرة آلاف مشروع للعائدين الراغبين في الاستفادة من برامج التمويل والإنتاج.
مشاعر مختلطة بين ألم الفراق وأمل البناء
يوم انطلاق القطار، يتحول رصيف محطة مصر في القاهرة إلى مسرح كبير تختلط فيه المشاعر، أمهات يودعن صديقات مصريات، وأطفال يتشبثون بحقائب أكبر من أجسادهم، ورجال يوزّعون نظرات مترددة بين القاهرة التي احتضنتهم، والوطن الذي يعودون إليه.
دور مصري داعم وعلاقات أخوية
أشاد المسؤولون السودانيون بالدور المصري في دعم السودان، مثمنين الجهود التي تبذلها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في استضافة السودانيين وتقديم التسهيلات اللازمة لهم منذ اندلاع الأزمة.
وأكد سفير السودان لدى مصر أن العلاقات المصرية السودانية تمثل نموذجاً للأخوة والتكامل بين الشعبين الشقيقين.



