محمد القصبي يكتب: في قريتي..في كل مصر..سفه على روح الميت!

محمد القصبي
محمد القصبي


عقب وفاة الأب منذ ٢٤ عاما..اجتمع رموز العائلة الكبيرة.. الهدف ..بحث ترتيبات المأتم وسرادق  العزاء.. كالعادة..طرح البعض ماهو سائد من تقاليد في مثل هذه المناسبات..الاستعانة بأحد كبار المقرئين في مصر ..وليكن الشيخ الطبلاوي ..الاستعانة ب " فراشة" من المنصورة أو على الأقل من بلقاس..إمكانات "الفراشة" المتوفرة في قريتنا- المعصرة - لاتكفي لتلبية  احتياجات سرادق ضخم يليق بمكانة الفقيد.. مكانة العائلة..
أحد الأقارب ينبه:
- فيه مسئولين كبار من المركز..ومن المحافظة..ممكن يحضروا العزا..وماتنسوش أعضاء مجلس الشعب..لازم يكون شكلنا كويس أمام الناس دي..
درس أبناء الفقيد تكاليف العزاء طبقا لتوجهات رموز العائلة..واتخذوا قرارهم..
عزاء بسيط يحييه مقريء من المنطقة..والتبرع بباقي التكاليف  لإنشاء دورة مياه للمسجد الكبير الذي جرى هدمه وإعادة انشائه مجددا..
......
يوم الأربعاء الماضي- ٣٠ مارس - 
انتقلت الابنة إلى جوار ربها..طفح البعض بذات الآراء القديمة ..سرادق ضخم علشان منظر العيلة..!!
لكن أشقاءها اتفقوا مع زوجها على عزاء بسيط..وتنفيذ وصيتها ..دعم مستشفى القرية بجهاز جديد لغسيل الكلى..
وما كانت وصية الابنة وحدها..بل هذا حال أشقائها وشقيقتها : عند الوفاة لا ينفق مليم واحد على غير الكفن والجنازة البسيطة..وماهو متاح بعد ذلك يوجه لأعمال الخير..!!
....
 ذات اليوم ..الأربعاء ..٣٠ مارس  ..رحل أحد أهالي القرية..تم إيواؤه في مقابر عائلته بعد صلاة المغرب..
وقرر أهله إقامة سرادق العزاء في اليوم التالي..
وما كان سرادق عاديا ..فقط ..لتقبل العزاء!!
بل لاأبالغ إن قلت روعني مارأيت..مئات من المقاعد الوثيرة التي لم أر مثيلا لها في فخامتها..لا في مصر ولا في العديد من الدول التي زرتها من قبل..وأضواء تتلألأ بها سماء القرية..ومكبرات صوت لم أتمكن من صخبها تبيان مايقوله المقريء الذي قدموه في فخر بأنه معتمد من الإذاعة والتليفزيون..ومصورون لايكفون عن تصوير كل آت ومغادر..
و" بوفيه " كبير لمد احتياجات المعزين بالمشروبات لتخفيف معاناتهم برحيل الفقيد..!!!
قال جاري الحاج عصام وهو يتابع مايجري حولنا بأسف:
- ٣٠ الف جنيه..تكاليف المأتم ده.. ماتقلش عن كده..!!
و قالت ابنة اختي هند التي كانت تمر بسيارتها على الطريق الزراعي بجوار الأرض الفضاء التي أقيم عليها المأتم:
- دا مش مأتم..دا فرح..تكاليفه لاتقل عن ٥٠ ألف جنيه..!!
وأحصى جار آخر طابور من يستقبلون المعزين من أهالي وأقارب المتوفي "ولو بالشبهة" ..فوجدهم ٤٣ شخصا..!!
و بالطبع يتعين على كل من جاء للتعزية أن " يسلم" على هؤلاء ال٤٣... فردا فردا..متمتما ببعض العبارات في تأثر ..
ويفعل الأمر ذاته عند انصرافه٠٠!!
في تلك اللحظة داهمني مشهد آخر..الميت الذي " يحتفون" به!!!..مزنزن في تربة متر في مترين..لاشيء سوى رهبة الظلام والصمت!! ..ولاأحد يدري كيف يبدو وهو بين يدي خالقه..
في تلك اللحظة..ثمة من يئنون في القرية..
لكن للأسف.. أنين جوعهم ..آنات مرضهم التي يعجزون عن توفير نفقات علاجها.. وبسبب صخب مكبرات الصوت..لاتصل لأسماع طابور ال٤٣ فردا المترقبين وصول وجهاء المحافظة والمركز والبرلمان..
ولا يداهم هؤلاء ال٤٣ فردا  مايقوله المقريء المعتمد من اتحاد الإذاعة والتليفزيون :

 (لَّا خَیۡرَ فِی كَثِیرࣲ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَـٰحِۭ بَیۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِیهِ أَجۡرًا عَظِیمࣰا ) ..
عقب انصرافي من السرادق  اتصل بي صديق..حكى لي قصة شابة  تنتمي لأسرة فقيرة..تلك الشابة تعاني من ظروف صحية قاسية..في حاجة إلى حقنة شهرية ولمدة  ٥ أشهر.. ثمن الحقنة ٦ آلاف جنيه..
يسألني كيف يمكن مساعدتها ؟
قلت وأنا أكابد ليتجاوز صياحي عبر الهاتف ضجيج ميكروفونات المأتم:
- ماتقلقش..فيه ناس كتير بيعرفوا ازاي يصرفوا فلوسهم في أعمال الخير..!!

احمد جلال

جمال الشناوي

ترشيحاتنا