أدى الارتفاع المتزايد في حركة ناقلات النفط إلى تجدد المخاوف بشأن حدوث فائض في المعروض العالمي من النفط، إلا أن جزءًا كبيرًا من تلك التدفقات الإضافية من النفط الخام يُستخدم في إعادة ملء المخزونات العالمية التي استُنزفت في أثناء الحرب بالشرق الأوسط، أكثر من كونه مؤشرًا على زيادة مستدامة في الإنتاج.
بينما يتسابق المنتجون والمستهلكون لاستعادة التوازن في السوق النفطية؛ إذ تواصل منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" زيادة إنتاجها، بينما تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على مستويات إنتاج قياسية، في حين تعمل الدول المستوردة على إعادة بناء احتياطاتها الاستراتيجية من النفط.
وتشير "أويل برايس" علي موقعها الإلكتروني إلى أنه على الرغم من حالة الجمود النسبي التي تشهدها محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، عاد المحللون للحديث مجددًا عن احتمالات فائض المعروض العالمي من النفط، مع خروج ناقلات النفط من الخليج العربي بأعداد تفوق ما شهدته الأشهر الثلاثة الماضية.
وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الجهات في الاستعداد لسيناريو تصبح فيه رسوم عبور مضيق هرمز عنصرًا مؤثرًا في تشكيل أسعار النفط.
وكانت صحيفة "وول ستريت" من أحدث الجهات التي حذرت من فائض محتمل في سوق النفط الخام، وذلك عقب تقارير صادرة عن مؤسسات إعلامية كبرى استندت إلى توقعات محللين يرون أن سوق النفط العالمي قد ينتقل من العجز الملحوظ في الإمدادات إلى حالة الفائض.
كما تدعم أحدث بيانات الإنتاج الصادرة عن منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" التقديرات التي تشير إلى أن تحسن الإمدادات، على الرغم من أن التنبؤ بحدوث فائض في السوق قد يكون سابقًا لأوانه؛ إذ ارتفع إجمالي إنتاج دول المنظمة بمقدار 3.3 ملايين برميل يوميًّا خلال يونيو 2026 مقارنة بشهر مايو 2026، ليصل إلى نحو 19.43 مليون برميل يوميًّا. ومع ذلك، لا يزال هذا المستوى بعيدًا عن مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.
وفي الوقت نفسه، سجلت الولايات المتحدة الأمريكية رقمًا قياسيًّا جديدًا في إنتاج النفط، إذ بلغت معدلات الضخ نحو 14 مليون برميل يوميًّا، كما أفادت التقارير بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تصدر كميات قياسية غير مسبوقة من النفط، مستفيدة من تفريغ خزاناتها التي امتلأت إلى أقصى حد خلال فترة الحرب وإغلاق مضيق هرمز.
وفي بداية يوليو 2026، أشارت صحيفة "وول ستريت" إلى أن إعادة ملء المخزونات العالمية من النفط كانت جزءًا أساسيًّا من المفاوضات الجارية، ونشرت الصحيفة عن نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" تصريحه بأن الجانبين توصلا إلى اتفاق أولي يسمح للدول بإعادة تكوين بعض المخزونات ثم تقييم الوضع لاحقًا.
وفي الواقع، يرى عدد من المحللين الأكثر تحفظًا أن انتعاش حركة الناقلات عبر مضيق هرمز لا يمكن اعتباره مؤشرًا على حدوث فائض في النفط؛ نظرًا إلى أن العديد من الدول اضطرت خلال الفترة الماضية إلى السحب بشكل كبير من احتياطاتها النفطية، الأمر الذي يجعل إعادة تكوين هذه المخزونات ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة.
وأشارت مؤسسة "جي بي مورجان"، بحسب ما أوردته صحيفة "وول ستريت"، إلى أن الزيادة الحالية في إمدادات النفط تتجه نحو سوق لا تُظهر في الوقت الراهن حاجة ملحة إلى كميات إضافية. ويعكس هذا الرأي توجهًا لدى عدد من المحللين الذين يرون أن حجم الإمدادات المتاحة عالميًّا قد تجاوز مستويات الطلب الفعلية، إلا أن هذا الطرح يثير قدرًا من التساؤل، لا سيما أن العديد من هؤلاء المحللين كانوا حتى وقت قريب يتبنون رؤية مغايرة، مفادها أن الحرب أسهمت في إضعاف الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار، كما رجحوا آنذاك استمرار العجز في الإمدادات العالمية، وربما امتداده إلى عام 2027 في حال استمرار الصراع في الشرق لفترة أطول.
وعلى النقيض ، يرجح المحللون الماليون تحسن الطلب العالمي على النفط الخام خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا بتراجع أسعار النفط وما يترتب عليه عادةً من تنشيط الاستهلاك وفقًا لأساسيات سوق النفط؛ إذ يؤدي انخفاض الأسعار إلى تحفيز الطلب، في حين يسهم ارتفاعها في انخفاضه.
وفي هذا السياق، أوضح محللون آخرون أن تعافي حركة الناقلات الخارجة من الخليج العربي يتزامن مع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في السحب من احتياطيها النفطي الاستراتيجي.
في المقابل، قد تتأثر تلك المشتريات بعامل إضافي يتمثل في احتمالية فرض رسوم عبور عبر مضيق هرمز؛ إذ أشار تقرير لوكالة "بلومبرج" إلى أن عددًا من الدول الأوروبية بدأ الاستعداد لاحتمال مطالبة كل من إيران وسلطنة عُمان برسوم مرور على السفن العابرة بمضيق هرمز. كما أشار التقرير إلى أن هذا التصور يحظى بتأييد بعض المسؤولين في دول الخليج العربية، وإن كان ذلك في إطار غير رسمي؛ إذ يتوقعون أن تتجه إيران ومسقط إلى فرض رسوم على حركة الناقلات مستقبلًا.
أما الموقف الرسمي لكل من الدول الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية، فيتمثل في أن القوانين البحرية الدولية لا تسمح بفرض مثل هذه الرسوم، وأن إقدام إيران، أو إيران وعُمان معًا، على هذه الخطوة من شأنه أن يخلق سابقة قد تدفع دولًا أخرى تمتلك ممرات مائية استراتيجية ضمن مياهها الإقليمية إلى اتخاذ إجراءات مماثلة.
ومع ذلك، يبدي مشترو النفط في الاتحاد الأوروبي قلقًا خاصًا إزاء احتمال فرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يوحي بأن أسعار النفط، رغم تراجعها الحاد عن الذروة التي بلغتها خلال فترة الحرب، لا تزال مرتفعة بالنسبة لبعض المستوردين، كما يعكس هذا القلق التخوف من الارتفاعات السعرية المستقبلية التي قد تشهدها الأسواق، وهي ظاهرة مألوفة في الصناعات ذات الطبيعة الدورية.
وعليه، يبدو أن جميع الأطراف تركز على إبقاء الأسعار عند أدنى مستويات ممكنة في الوقت الراهن؛ إذ تركز منظمة "أوبك" على زيادة إنتاجها لتعويض ثلاثة أشهر أو أكثر من إيرادات التصدير المفقودة، بينما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى خفض أسعار الوقود للمستهلكين بدرجة أكبر، في حين تقوم الدول المستوردة بإعادة بناء مخزوناتها النفطية. وبعد فترة اتسمت بمخاوف الركود الاقتصادي وإفلاس شركات الطيران، حصل الاقتصاد العالمي على قدر من الارتياح. غير أن السؤال المطروح يتمثل في مدى استدامة هذا الارتياح، وهو ما يستدعي أخذ احتمالات التغير المستقبلية في الاعتبار.




