في واقعة مؤلمة، رحلت طالبة بالثانوية العامة بعد تعرضها لأزمة صحية مفاجئة أثناء أداء الامتحان. هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالًا يوجع كل بيت مصري: هل أصبحت الثانوية العامة مجرد بوابة للعبور إلى الجامعة، أم أنها تحولت في نظر كثيرين إلى مرحلة تحمل من الضغوط ما يفوق قدرة بعض الطلاب على الاحتمال؟
قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه يفرض نفسه كلما شهدنا مأساة داخل لجنة امتحان أو سمعنا عن طالب انهار نفسيًا أو صحيًا تحت وطأة الخوف والقلق. فالثانوية العامة خُلقت لتكون بوابة إلى الجامعة وبداية لمستقبل جديد، لا أن يختلط فيها الأمل بالرعب، ولا أن تنتهي داخل لجنة امتحان حياة طالب أو طالبة.
لا خلاف على حق الدولة في مكافحة الغش بكل حزم، فالحفاظ على نزاهة الامتحانات مسؤولية وطنية لا يمكن التهاون فيها. لكن الحزم لا يعني بث الخوف، والانضباط لا يعني أن يشعر الطالب بأنه يدخل إلى ساحة تحقيق لا إلى لجنة امتحان. فمن حق الطالب وولي أمره أن يخوضا هذه المرحلة في أجواء يسودها الاحترام والطمأنينة، لا التوتر والرهبة.
كما أن توفير بيئة امتحانية مناسبة يقتضي مراعاة الظروف المناخية، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، من خلال توفير تهوية جيدة ومياه شرب كافية، حفاظًا على صحة الطلاب ومساعدتهم على أداء الامتحانات في أجواء آمنة.
والمفارقة أن أكثر من يتأثر بأجواء التوتر داخل اللجان هو الطالب المجتهد، لأن تركيزه يتأثر بالخوف والضغوط، بينما يكون من يخطط للغش قد أعد نفسه للتعامل مع تلك الأجواء، وقد يحاول استغلال أي ارتباك داخل اللجنة. لذلك فإن الهدوء والانضباط لا يحميان الطالب المتفوق فقط، بل يعززان أيضًا نزاهة الامتحانات.
كما أن من الضروري إعادة النظر في فلسفة إعداد الامتحانات. فليس الهدف وضع أسئلة يعجز عنها معظم الطلاب أو تتحول إلى وسيلة لاستعراض قدرات واضعيها، وإنما الهدف الحقيقي هو قياس الفهم والاستيعاب والتفكير، وأن نعودهم على الإبداع والابتكار والتفكير خارج الصندوق، وفق معايير تربوية عادلة تراعي الفروق الفردية بين الطلاب.
إن إعداد الامتحانات مسؤولية تربوية قبل أن يكون مسؤولية فنية، ولذلك ينبغي أن يتولاها خبراء يمتلكون الكفاءة العلمية والخبرة التربوية والنفسية، ويضعون مصلحة الطالب وجودة العملية التعليمية فوق أي اعتبارات أخرى.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع اليوم ليس: كيف نمنع الغش فقط؟ بل أيضًا: كيف نحمي أبناءنا نفسيًا وصحيًا وهم يؤدون امتحانات تحدد مستقبلهم؟
إن ما حدث يجب أن يكون جرس إنذار يدفع إلى مراجعة شاملة لمنظومة الثانوية العامة، بدءًا من طبيعة الامتحانات، ومرورًا بالأجواء داخل اللجان، وانتهاءً بتوفير الدعم النفسي للطلاب. فالثانوية العامة خُلقت لتكون بوابة إلى الجامعة لا سببًا في أن يعيش الطالب وأسرته أسوأ لحظات الخوف والقلق، ولا أن تتحول رحلة البحث عن المستقبل إلى تجربة تهدد سلامته النفسية أو الصحية، بل حياته.
رحم الله الطالبة، وألهم أسرتها الصبر والسلوان، ولتكن هذه الفاجعة دافعًا لمراجعة حقيقية توازن بين نزاهة الامتحانات وحق الطلاب في بيئة آمنة تحفظ كرامتهم وصحتهم، لأن بناء الأوطان يبدأ بحماية أبنائها.



