ما بين أوراق الكراسات والكتب العتيقة وصفحات وأجهزة الكمبيوتر الحديثة، تختبئ رحلة طويلة لشهادة كانت وما زالت تمثل المحطة الأهم في حياة ملايين الأسر، إنها شهادة "الثانوية العامة" أو كما كانت تُعرف تاريخياً بـ "البكالوريا"، ورغم تغير الزمن وتبدل المسميات، يظل هذا الماراثون السنوي محتفظاً بهيبته وطقوسه المقلقة التي لم تفلح عقود التطوير في نزع فتيل توترها.
في منتصف القرن الماضي، كانت "البكالوريا" أو التوجيهية بمثابة صك العبور للأنضمام لصفوة المجتمع، وكانت الامتحانات تعتمد على المقال الطويل، والتحليل المعمق، وكان الحصول على درجة الـ 70% يُعد إنجازاً استثنائياً يؤهل صاحبه لأرقى كليات الدولة.
أما اليوم، فقد تحولت المنظومة إلى صراع رقمي يعتمد على أنظمة امتحانات الاختيار من متعدد والبابل شيت، وصولاً إلى النظام التجريبي الأحدث المتمثل في "البكالوريا المصرية" الجديدة القائمة على تعدد الشعب والتحسين الرقمي، ورغم التسهيلات التكنولوجية، تحول السباق الحاضر إلى معركة "كسر عظام" على أنصاف الدرجات بسبب ضغوط التنسيق والدروس الخصوصية.
على مرالعصور، لم تمنع طموحات الفن والسياسة أصحابها من التربع على عرش التفوق في هذه المرحلة، وقديماً حصل الأديب الكبير طه حسين، والعالم الجليل مصطفى مشرفة على شهاداتهم بتفوق لافت وضعهم في طليعة بعثات الدولة للخارج.
وحديثاً، فاجأ العديد من نجوم الفن الجمهور بمجاميعهم، حيث حصل الفنان آسر ياسين على مجموع 100% ليحقق شرط والده لدراسة الهندسة، وأيضا الفنان كريم فهمي بمجموع 99.9% (طبيب أسنان)، وشقيقه أحمد فهمي بمجموع 99.8%، بينما حصدت النجمة منى زكي مجموع 95%.
الوصول إلى الدرجة النهائية (100%) هو حلم نادر، لكن من حققوه اختاروا مسارات علمية حافلة مثل د. محمد صاحب أشهر واقعة تصحيح لغوي في تاريخ الامتحانات (دفعة 1976)، حيث قام بتعديل صياغة سؤال النحو واعتبره خاطئاً، وحصل على المجموع الكامل، وأصبح لاحقاً طبيباً بارزاً، وأستاذاً لطب الأطفال.
و في السنوات الأخيرة، حصد العديد من الطلاب المصريين في الخارج (مثل الكويت) نسب 100% كاملة، ويتواجد أغلبهم الآن داخل كليات الطب البشري والهندسة بالجامعات الأهلية والدولية عبر منح تفوق كاملة (مثل منحة ساويرس للتميز)، أو يعملون كمعيدين وباحثين في مراكز رصد الجينات والذكاء الاصطناعي في أوروبا وكندا.
معاناة الطلاب مع شهادة الثانوية العامة ليست محصورة في مصر والمنطقة العربية فحسب، بل طالت دول كثيرة حول العالم مثل الصين (امتحان الجاوكاو - Gaokao)، ويُصنف كأصعب اختبار ثانوية على وجه الأرض، حيث يخوضه نحو 12 مليون طالب سنوياً في يومين، ويحدد مصيرهم المهني بشكل نهائي وسط طوق أمني صارم.
فى كوريا الجنوبية (امتحان السونينغ - Suneung)، وفي يوم الاختبار، تتوقف حركة الطيران وتتأخر مواعيد العمل لضمان وصول الطلاب للجانهم دون ضوضاء بسبب حدة وصعوبة الأسئلة وضغوطها النفسية، وعربيا تصدر دولة فلسطين (بسبب الظروف الاستثنائية وكثافة المادة)، وتليها الجزائر والمغرب من حيث طول المناهج، وتعدد اللغات الإلزامية (العربية، الفرنسية)، وعمق الأسئلة المطروحة.
الكلمات الدالة



