لم تعد مشاركة مصر في اجتماعات مجموعة السبع الصناعية G7 مجرد ظهور دبلوماسي أو صورة بروتوكولية تُضاف إلى أرشيف القمم الدولية ولكن ماحدث في فرنسا بعد انتهاء أعمال القمة الأخيرة يكشف بوضوح أن القاهرة تسعى لإعادة تعريف موقعها في النظام العالمي ليس كدولة نامية تبحث عن جذب استثمارات بل كفاعل إقليمي ودولي يمتلك أوراق قوة حقيقية والسؤال لم يعد لماذا تشارك مصر؟ بل كيف توظف هذه المشاركة لفرض معادلة جديدة في ميزان المصالح الدولية؟ ونشير الى عدد من النقاط الهامة فى هذا الشأن:-
أولاً: إن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تمثل نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتضم دولًا تسيطر على ما يقرب من 60% من التجارة الدولية تعني أن مصر تتحرك داخل قلب النظام الاقتصادي العالمي وليس على أطرافه والأهم أن هذه المشاركة تأتي في لحظة إعادة تشكيل النظام الدولي من أحادى الى متعدد الأقطاب حيث تتراجع العولمة التقليدية لصالح تكتلات أكثر انتقائية وفي هذا السياق، تطرح مصر نفسها كـ"دولة ارتكاز" تربط بين مصالح الشمال الصناعي واحتياجات الجنوب العالمي مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية وهى قناة السويس التي يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية وكذا دورها في ملفات الطاقة النظيفة خاصة في شرق المتوسط وهذا التموضع يمنح القاهرة فرصة نادرة أن تتحول إلى "شريك في صياغة القرارات الاقليمية والدولية.
ثانياً: المكاسب الاقتصادية بين الفرص والتحديات حيث الرهان الحقيقي لأي مشاركة دولية ليس سياسياً فقط بل اقتصادياً بالدرجة الأولى وهنا تبرز عدة مسارات هامة منها :-
1-جذب الاستثمار النوعي حيث تضخ دول الـ G7 سنوياً تريليونات الدولارات في الاستثمارات الخارجية وإذا نجحت مصر في اقتناص حتى نسبة محدودة (1–2%) من هذه التدفقات فإن ذلك قد يعني استثمارات غربية سنوية من 20 الى 30 مليار دولار وهو رقم كفيل بإحداث نقلة نوعية في الاقتصاد المصري مثلما حدث مع النمور الآسيوية فى السبعينات والصين مع بداية الثمانينات .
2-التحول إلى مركز للطاقة الخضراء في ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات يمكن لمصر أن تصبح أحد أهم مراكز إنتاج الهيدروجين الأخضر مستفيدة من موقعها الجغرافي ووفرة الطاقة الشمسية والرياح وقربها من الأسواق الأوروبية
3- إعادة هيكلة العلاقات التمويلية حيث تتيح القمة فرصة لإعادة التفاوض مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خاصة في ظل ارتفاع أعباء الديون وسعى الدول النامية لإيجاد آليات أكثر مرونة للتمويل منها استبدال جزء من الديون الى استثمارات فى البنية التحتية والطاقة الخضراء.
ثالثاً: منح البعد السياسي شرعية دولية لدور إقليمي متصاعد لمصر حيث لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة فمشاركة مصر في قمة بهذا الحجم تعني ضمنياً اعترافاً دولياً بدورها في إدارة أزمات المنطقة خاصة القضية الفلسطينية واستقرار ليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر وأمن الخليج وهذا الحضور يمنح القاهرة مساحة أوسع للتحرك كوسيط إقليمي مدعوم بغطاء دولي وهو ما يعزز من قدرتها على التأثير في مخرجات الأزمات وليس فقط التفاعل معها.
رابعاً: أحد أهم مكاسب المشاركة المصرية هو تعزيز سياسة "التوازن الذكي" بين القوى الكبرى فبينما تنفتح القاهرة على دول G7 فإنها في الوقت ذاته تحافظ على علاقات قوية مع قوى مثل الصين وروسيا وهذه السياسة تمنح مصر مرونة تفاوضية عالية وقدرة على تنويع الشركاء وحماية نسبية من ضغوط الاستقطاب الدولي وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية تصبح هذه القدرة على "التحرك بين المحاور" أحد مصادر القوة.
خامساً: كيف تتحول المشاركة المصرية إلى تواجد دائم وذلك من خلال ما يلى:-
1-مصر كممثل غير رسمي للجنوب العالمي يمكن للقاهرة أن تقود تحالفاً داخل القمم الدولية لطرح قضايا الدول النامية خاصة في مجالات الديون والأمن الغذائي والعدالة المناخية.
2- تأسيس منصة مؤسسية دائمة مع G7 بدلاً من الاكتفاء بالمشاركة السنوية ويمكن إطلاق "منتدى القاهرة - G7 ليكون آلية مستدامة للحوار الاقتصادي والاستثماري.
3-تسويق قناة السويس كممر أخضر عالمي عبر طرح مبادرة لتحويل القناة إلى مركز لوجستي صديق للبيئة بما يتماشى مع التحولات العالمية في التجارة منخفضة الكربون.
4-إعادة صياغة صورة الاقتصاد المصري بالتحول من خطاب التحديات والصعاب إلى خطاب "الفرص"عبر تقديم مصر كمنصة إنتاج وتصدير إقليمية.
وفى الختام ، فان مشاركة مصر في قمة مجموعة السبع ليست إنجازاً في حد ذاتها بل اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل الحضور إلى نفوذ والفرص إلى مكاسب ولاينتظر العالم أحداً ومن لا يملك رؤية واضحة سيتحول إلى مجرد رقم في معادلة الكبار ، والقاهرة اليوم أمام لحظة تاريخية إما أن تترجم هذا الزخم الدولي إلى قوة اقتصادية وسياسية مستدامة أو تكتفي بدور الحاضر على مائدة تُصنع فيها القرارات.
==
كاتب المقال وزير مفوض وخبير اقتصادى
عضو مجلس ادارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة



