في زمن أصبحت فيه كاميرا الهاتف أسرع من العقل، وباتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للمحاكمات الشعبية، ظهرت ظاهرة خطيرة تستحق التوقف أمامها بجدية؛ وهي قيام بعض الأشخاص بتصوير المواطنين خلسة، ثم نشر الصور أو الفيديوهات مصحوبة باستنتاجات واتهامات لا تستند إلى أي دليل أو تحقق، فقط بدافع تحقيق التفاعل وحصد المشاهدات وصناعة "الترند" التصوير للتشهير.. جريمة جديدة في عصر المنصات تحتاج إلى ضوابط قانونية.
خلال الأيام الماضية شهدنا أكثر من واقعة أثارت الجدل، كان أبطالها مواطنون عاديون وجدوا أنفسهم فجأة متهمين أمام الرأي العام دون جريمة أو دليل. شخص يجلس في وسيلة مواصلات ويستخدم هاتفه المحمول، فتقرر إحدى السيدات أنه جاسوس أو متخابر، وتقوم بتصويره ونشر صورته مصحوبة برواية كاملة من خيالها وشاب آخر يجهز سيجارة تبغ عادية، فتخرج علينا إحدى "خبيرات التحريات" لتؤكد للجميع أنه يتعاطى المخدرات، لينطلق سيل من الاتهامات والشتائم والإدانات.
المؤسف أن كثيرين يتعاملون مع هذه المنشورات باعتبارها حقائق مؤكدة، بينما الحقيقة أن أصحابها لا يملكون سوى ظنون شخصية وتفسيرات ذاتية لمشاهد عابرة. وهنا تكمن الخطورة؛ فالتشهير لا يحتاج إلا ثواني، أما استعادة السمعة فقد تحتاج سنوات .
لقد أصبح البعض يتقمص دور رجل المباحث والقاضي ووسيلة الإعلام في الوقت نفسه. يصور أولاً، وينشر ثانياً، ويحكم ثالثاً، ثم يبحث عن الحقيقة – إن بحث عنها أصلاً – في مرحلة لاحقة. وكأن الأصل في الناس هو الإدانة لا البراءة.
المشكلة ليست في هاتف محمول أو منشور على فيسبوك، بل في ثقافة كاملة بدأت تتغلغل داخل المجتمع؛ ثقافة تقوم على الشك والتسرع وإصدار الأحكام دون معرفة أو تحقق. ثقافة تجعل أي شخص معرضاً لأن يتحول في لحظة إلى متهم أمام ملايين المتابعين بسبب صورة مبتورة أو فيديو لا تتجاوز مدته ثواني.
ماذا لو كان هذا الشخص هو ابنك؟ أو شقيقك؟ أو زوجك؟ ماذا لو خرج من منزله مواطناً عادياً وعاد ليجد نفسه متهماً بالخيانة أو تعاطي المخدرات أو ارتكاب فعل لم يقم به قط؟ من سيعيد إليه كرامته بعد أن انتشرت الاتهامات؟ ومن سيعوضه عن الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق به؟
إن كشف المخالفات والجرائم مهمة الجهات المختصة، أما المواطن فدوره الإبلاغ عند الاشتباه وليس إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فالفرق كبير بين الإبلاغ المسؤول وبين التشهير العشوائي.
الأخطر أن البعض يبرر هذه الممارسات تحت شعار "الإيجابية" أو "كشف الحقيقة"، بينما هي في حقيقتها نوع من البلطجة الإلكترونية وانتهاك الخصوصية والإضرار بسمعة الآخرين. فليس كل من يحمل هاتفاً صحفياً، وليس كل من يلتقط صورة محققاً، وليس كل من يكتب منشوراً مالكاً للحقيقة.
إن المجتمع الذي تتحول فيه الشائعة إلى دليل، والظن إلى يقين، والترند إلى محكمة، هو مجتمع يهدد حقوق الجميع دون استثناء. لذلك يجب أن ندرك أن احترام خصوصية الناس وقرينة البراءة ليسا رفاهية، بل من أسس العدالة والاستقرار الاجتماعي.
ويبقى المبدأ الأهم الذي يجب ألا ننساه: الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، وليس متهماً حتى يثبت العكس. أما هوس الترند، فقد أصبح في كثير من الأحيان يقتل الحقيقة ويذبح الأبرياء معنوياً أمام جمهور لا يعرف عنهم شيئاً.
ولا يعني ذلك أن يتجاهل المواطن أي سلوك يثير الشك أو القلق، فالتعاون مع الدولة في حماية المجتمع مسؤولية مشتركة، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الإبلاغ المسؤول والتشهير العشوائي فإذا رأى أحدهم واقعة يعتقد أنها تستحق المتابعة، فبإمكانه توثيقها وإبلاغ الجهات المختصة للتحقق منها واتخاذ الإجراءات اللازمة، دون نشر الصور أو الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وتحويل أشخاص قد يكونون أبرياء إلى متهمين أمام الرأي العام. فالجهات المعنية تمتلك الأدوات والخبرات التي تمكنها من التحقق من الوقائع وكشف الحقيقة، بينما يؤدي النشر المتسرع إلى إيذاء الآخرين وتشويه سمعتهم وربما تدمير حياتهم بسبب ظنون أو استنتاجات قد يثبت لاحقًا أنها خاطئة تمامًا.
"إذا كنت حريصًا على كشف الحقيقة، فأرسل ما لديك إلى الجهات المختصة، أما إذا كان هدفك نشره على السوشيال ميديا قبل التحقق، فأنت لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الترند، حتى لو كان الثمن سمعة إنسان بريء" .



