حين تقف في شرفة التاريخ المطلة على وادي النيل، لا تملك إلا أن تأخذ نفسًا عميقًا تشْتَم فيه رائحة الأرض البِكر ، التي غازلها الفجر منذ فجر البشرية ذاتها ، مصر تلك اللوحة الربانية الإلهية التي رُسمت بمداد من سحر ونور، تنبسط في جغرافيتها طبيعة خلابة تأسر القلوب قبل العيون ، يتدفق النيل في جسدها كشريان حياة أبدي، واهبًا الخضرة للضفاف، ومحيلًا الطمي إلى جنائن معلقة تتراقص فيها سنابل القمح وسعف النخيل تحت شمس دافئة لا تغيب رغبتها في العطاء ، من شواطئ الإسكندرية التي تغسل قدميها بمياه الأبيض المتوسط الفيروزية، إلى فيافي سيناء حيث تعانق الجبال الشامخة هيبة السماء وتتلألأ رمالها ببريق الذهب، وصولًا إلى جنوبها الساحر في الأقصر وأسوان، حيث النيل ينحت الصخر في لوحة صامتة تروي حكايات جلال وجمال، يعجز البيان عن حصر تفاصيلها. هذه هي مصر الملاذ والأمان، والجمال الذي صاغ وجدان الإنسان العربي والعالمي على حد سواء، طبيعة تنساب عذوبة، وتاريخ يتنفس في كل ذرة تراب. لكن المفارقة الموجعة في عصرنا الراهن تبدأ حين نترك هذه اللوحات الكونية البديعة ونلتفت إلى الشاشات الزرقاء الصغيرة التي باتت تأكل وعي الناس ، ففي مقابل هذا الجلال الطبيعي والتاريخي، نجد أنفسنا نرتطم يوميًا بأمواج عاتية من التفاهة والابتذال البصري والسمعي عبر منصات التواصل الاجتماعي ، لقد تحولت هذه الفضاءات الافتراضية، التي كان يُرتجى منها أن تكون نوافذ للمعرفة والتقارب، إلى مسارح مفتوحة لعرض الرداءة والإسفاف ، ومن هنا وجب التأكيد وبأعلى صوت، على حقيقة بنيوية واضحة ... إن كل من يخرج على هذه المنصات ليمارس الهذيان، أو ينشر القبح، أو يتحدث برعونة وإسفاف، لا يمثل بحال من الأحوال هذا الوطن العظيم ولا شعبه الأصيل، بل هو لا يمثل إلا نفسه الأمارة بالسوء، ولا يعبر إلا عن ضيق أفق قائلها أو انحدار ذوقه الشخصي. إن المشهد الرقمي اليوم أصبح يعج بنماذج يندى لها الجبين، حيث يتسابق البعض لخلع رداء الحياء والقيمة في سبيل حصد المشاهدات وجني الأموال، بغض النظر عن الأثر التدميري الذي يتركونه في الوعي العام ، نرى مثلًا ذلك الرجل الذي يخرج علينا في بث مباشر بلا خجل أو مروءة، لينشر على الملأ تفاصيل مشكلة شخصية أو مشادة زوجية بينه وبين طليقته ليتحول بيته المحرم وأسراره الأسرية إلى مادة للنميمة ، ويصبح الصراخ والاتهامات المتبادلة سلعة تباع وتشترى في سوق "التريند". هذا الإسفاف في عرض الخصوصيات يعكس انحدارًا قيميًا مخيفًا، حيث يُضحي الناشر بكرامته وكرامة أبنائه من أجل "لايك" أو "مشاركة"، متناسيًا أن البيوت حرمات، وأن الأخلاق المصرية الأصيلة قامت دومًا على الستر والشهامة وحفظ الغيب، فكيف لهؤلاء أن يتحدثوا باسم مجتمع ( مصر) يقدس الأسرة ويرى في الستر فضيلة الفضائل؟ ولا تتوقف الدائرة عند هذا الحد من العبث، بل تتسع لتشمل صورًا أخرى من السفاهة التي تجعل العاقل يقف مذهولًا أمام حجم الفراغ القاتل ، ففي تارة أخرى تجد المحتوى الرقمي ينحدر ليناقش قضايا شديدة السخافة والهزلية، كأن يخرج شاب في مقطع فيديو يتباكى فيه أو يتحدث بإسهاب وميوعة عن علاقة شخص بأنثى كلب ( أعزكم الله ) ، رابطًا وجود هذا الحيوان المسكين بقصة درامية أو علاقة غرامية متخيلة، ومحولًا المشهد إلى حالة من الكوميديا السوداء التي تثير الغثيان ، إن هذا النمط من المحتوى لا يعكس فقط تفاهة المنشور، بل يظهر مدى إسفاف الناشر الذي ترك قضايا أمته، وجمال بلاده، وفرص الإبداع الحقيقية، لينشغل وينشغل معه ملايين المتابعين بترهات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تسهم في تسطيح العقول وتخدير الوعي الجمعي للشباب.
والأدهى من ذلك وأمر، حين يتجاوز الإسفاف حدود العبث السطحي ليصل إلى حدود الجريمة الأخلاقية والاجتماعية من خلال الترويج لقصص العقوق والتمرد القاتل ، كم هو مؤلم ومقزز ذلك الشاهد الذي يتكرر في بعض الصفحات حين يخرج علينا مقطع أو خبر مسموم يتحدث عن شاب "قطّع أمه" أو اعتدى عليها باللفظ أو الفعل، مستعرضًا هذا الجحود وكأنه مادة للإثارة والتشويق بدلاً من كونه فاجعة إنسانية تستوجب الخجل والمواراة ، وآخر يقتل أولاده على مرأى ومسمع للجميع ، وآخر ، وآخر ... إن إبراز هذه النماذج الشاذة، والتركيز عليها في فضاء التواصل الاجتماعي، يوحي زورًا وبهتانًا بأن المجتمع قد تخلى عن قيم البر والرحمة، بينما الحقيقة الساطعة أن هذه الحالات ليست إلا بثورًا مشوهة على جسد نقي، ونفوسًا مريضة لا تعبر إلا عن انحرافها الشخصي، ومحاولة الناشر للاقتيات على دماء القيم الأسرية من أجل جذب الانتباه هي ذروة السقوط الأخلاقي والمهني. تتجلى خطورة هذا الإسفاف في كونه يصنع وعيًا زائفًا ويقدم صورة مشوهة لمصر في الخارج والداخل ، فالغريب الذي لا يعرف طبيعة هذا البلد وأهله، قد يظن واهمًا من خلال متابعة هذه الصفحات أن الشارع المصري بات مرتعًا للتفاهة والعقوق والفضائح الأسرية، بينما الواقع على الأرض ينبض بالجدية والكفاح ، إن مصر الحقيقية هي تلك الأم التي تستيقظ مع الفجر لتكافح من أجل تربية أبنائها بشرف، وهي ذلك الفلاح الساكن في قريته يزرع الأرض بحب ويحصد بعرق جبينه، وهي الطبيب والعالم والشاب المبتكر الذي يواصل الليل بالنهار ليضع بصمة حقيقية في جدار المستقبل ، هؤلاء هم وجه مصر المشرق، وهؤلاء هم الذين يحملون جينات الحضارة والجمال الطبيعي الذي يحيط بهم ، أما أولئك الذين يملأون الفضاء الرقمي ضجيجًا وعويلًا وسفاهة، فما هم إلا زبد يذهب جفاء، وإن بدا للموجة العابرة علوًا وارتفاعًا. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل قارئ ومشاهد في أن يمارس الوعي النقدي، وألا يسهم في نشر هذا التلوث السمعي والبصري. فالتفاعل مع المنشور التافه، حتى لو كان بالانتقاد أو السخرية، يمنحه قبلة الحياة ويزيد من انتشار خوارزمياته ، يجب أن ندرك أن التصدير المستمر لهذه النماذج المشوهة، سواء كان رجلًا يبتذل خلافه مع طليقته، أو شابًا يتنازل عن رجولته في محتوى هزلي مع حيوان، أو عاقًا يتبجح بجريمته، هو حرب ممنهجة على الذوق العام وتدمير ممنهج للجمال الذي وهبه الله لهذه الأرض ، إن مصر بطبيعتها النيلية الساحرة، وبتاريخها الممتد، وبشعبها الذي علم الدنيا الصبر والإنتاج، أكبر بكثير من أن تختزل في شاشة هاتف يديرها شخص يبحث عن الشهرة الزائفة ، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح، فستبقى الأرض الخلابة تفيض بالخير والجمال، وستبقى الأخلاق الأصيلة حصنًا منيعًا، بينما تذوب هذه السفاهات في غياهب النسيان كما يذوب الغبار في مهب الريح. ياسادة .. اتقوا الله في بلادكم وعظمتها وقوتها وجلالها .. ياسادة إنها مصر في عيون العالم.
دكتور مصطفى الشرقاوي أستاذ الإعلام والاتصال الدولي



