طارق يونس  يكتب : الحَقُّ المُكْتَسَب

طارق يونس 
طارق يونس 

في كثير من الأحيان نُعطي بصدق ونُغدق في العطاء ، لكننا نتفاجأ بأن هذا العطاء صار عبئًا . العطاءَ الحقيقيَّ ليس مجرّد أيّادِ تمتدُّ بالخيرفقط، لكن هذا العطاء يمتد لأن يكون نبضُ الإيمان، وشريعةُ الروح التي حثَّنا عليها الخالقُ سبحانه وتعالى، وسنَّها الرسولُ الأمين ﷺ؛ لما فيه من ترياقٍ يُداوي شروخَ المجتمع، ويُقيم ميزانَ التكافل بين العباد،وتتعدّد ألوانُ العطاء الإنساني، فلا تقف عند حدود المال، بل تتسامى لتكون زكاةً للعلم، ومنحًا للوقت، وبذلًا للجهد، وسخاءً في المشاعر والاهتمام. وهذا النهرُ المتدفّق لا يَسقي الغرباء والمحتاجين فحسب، بل إنّ الأقربين والأحبّاء أولى الناس بارتشاف مائه،غير أنّ للعطاء قانونًا صارمًا؛ فهو كالميزان، إن اختلّت كفّتاه ضاعت قيمتُه،فإن شحَّ الإنسان في عطائه، جفّت الروابط وانقطعت الصلات، وإن أفرط وأغدق فيه ، وقع ما لا يُحمد عقباه؛ إذ يخلع العطاء رداء الفضل، ليرتدي عباءة الواجب، ويتحوّل الكرم الطوعي إلى حقٍّ مُكْتَسَب يُطالَب به، وكأنه دينٌ مستحق. ومن خلال التجارب،قد نشعر في لحظات أن ما نقدمه من معروف لم يعد فضلًا بل صار متوقعًا ،فكثيرًا ما نقف، بدافع الرحمة، إلى جانب من أنهكهم العوز أو أثقلتهم الحاجة، فنمدّ لهم يد العون بقلوبٍ صادقة ونفوسٍ عامرة بالخير،غير أنّ العطاء حين يستمر بلا حدود ويتكرّر بلا وعي، قد يفقد معناه النبيل، ويتحوّل مع الزمن من منحةٍ كريمة إلى حقٍّ متوهَّم،فيعتاد بعضهم الأخذ، حتى يغيب عنهم أن ما يُقدَّم لهم فضلٌ لا فرض، وإحسانٌ لا التزام، فينسون واجب الامتنان، ويستبدلونه بحقّ التوقّع، وربما بالعتب إن انقطع العطاء يومًا، فيكون سببًا في وجع قلب صاحبه ، ويصبح ثقيلًا عليه. وهكذا، يتحوّل المعروف – وهو في أصله فعلٌ حرّ نابع من إنسانية صادقة – إلى عبءٍ على صاحبه، وبابٍ يُستباح بدل أن يُصان،إنها ظاهرة تختلط فيها المشاعر النبيلة بسوء الفهم الإنساني؛ فالكرم لا يفسد في ذاته، وإنما يفسده غياب التوازن، وسكوتُ المعطاء عن وضع حدودٍ تحفظ للخير قيمته، وللكرامة معناها. وليست هذه الكلمات دعوةً إلى إغلاق أبواب العطاء، ولا إلى التضييق على المعروف، فحاشا لله أن يكون الكرم موضع لوم، وإنما هي دعوةٌ صادقة إلى التوازن، وألا يتحوّل الإحسان إلى اتكال، ولا الرحمة إلى عبء، ولا القلب المعطاء إلى ساحة استنزاف. الخاتمة والعِبرة: العطاء الحقيقي لا يُقاس بكثرته، بل بأثره، ولا يسمو إلا حين يُقدَّم بحكمة كما يُقدَّم بمحبة،فمن أراد أن يُحسن، فليُحسن دون أن يُلغي نفسه، ومن مدّ يده بالخير، فليتذكّر أن للقلوب حدودًا، كما للأبواب مفاتيح ،فليس كل تقليلٍ في العطاء قسوة، ولا كل استمرارٍ فيه رحمة؛ إنما الرحمة الحقّة أن تُعطي دون أن تُستنزف، وأن تُحسن دون أن تُستغل، وأن تحفظ للمعروف هيبته، ليبقى فضلًا لا يُنسى، لا حقًّا يُنتزع. وصيّة القول: اضبط مسافات العطاء، وليكن عطاؤك بقدرٍ يحفظ لك قلبك ويصون للخير هيبته؛ فالعطاء حين يُمنح بحكمة، يبقى نورًا لا ينطفئ، وأثرًا لا يُنسى ،أعطِ لأن في العطاء حياة، في العطاء سعادة ، فحينما توازن بين الرحمة والوعي، يصبح عطاؤك زرعًا طيبًا؛ كلما طال الزمن، ازداد ثمره صفاءً، وبقي في النفوس ذكرى جميلة، وفي روحك سكينة لا تزول.

 
 
 

 

ترشيحاتنا