في قائمة الأمراض التي تخشاها البشرية، تتربع الأورام والأمراض القلبية على عرش الرعب عادةً، لكن هناك عدوًا خفيًا يتسلل إلى خلايا الدماغ ليجعل من "الزهايمر" المرض الأكثر شراسة وخطورة على الإطلاق. إن خطورة هذا الداء لا تكمن فقط في كونه يقضي على الجسد ببطء، بل في كونه يمحو هوية الإنسان ويحوله إلى شخص غريب تمامًا عن نفسه وعن عائلته، مما يجعله عبئًا نفسيًا وجسديًا يفوق قدرة الاحتمال البشرية.
ما يجعل الزهايمر يتفوق في خطورته على سائر الأمراض، هو غياب "المنطق" في تصرفات المريض. فالإصابة بأي مرض عضوي آخر تترك للمريض عقله ليتألم، ليتعاون مع الأطباء، أو ليودع أحباءه بوعي. أما الزهايمر، فيخلق عالمًا موازيًا ومرعبًا؛ حيث يصبح المريض قادرًا على فعل أشياء غريبة، غير متوقعة، وشديدة الضرر به وبعائلته. قد يخرج المريض من بيته في منتصف الليل هائمًا على وجهه ليضيع في الشوارع بلا عودة، أو قد يشعل موقد الغاز ويتركه معتقدًا أنه يطهو وجبة طعام، أو يبتلع مواد كيميائية سامة ظنًا منها أنها شراب، بل إن الخطر قد يمتد لشكوك وأوهام تدفعه لاتهام أقرب الناس إليه بالسرقة أو المؤامرة، مما يحول المنزل الدافئ إلى ساحة قلق وتأهب دائمين خوفًا من كارثة قد تحدث في أي ثانية غفلة.
هذه السلوكيات غير المحسوبة لا تؤذي المريض وحده، بل تذبح المحيطين به مئة مرة في اليوم؛ فالأسرة لا تواجه فقط مشقة الرعاية الطبية، بل تعيش حالة "طوارئ مستمرة" وخوفًا دائمًا من تصرف غريب يحرق المنزل أو يودي بحياة المريض أو حياة من معه. إنهم يشاهدون بعيون ممتلئة بالدموع كيف يتحول الأب الحنون أو الأم الرؤوم إلى شخص يجهل أسماءهم، وينظر إليهم بعيون غريبة وجافة. لهذا، فإن الزهايمر ليس مجرد مرض يصيب فردًا، بل هو زلزال يدمر الاستقرار النفسي والمادي للأسرة بأكملها، ويجعل من البقاء على قيد الحياة مع فقدان الذاكرة طقسًا يوميًا من الخوف والترقب، مما يثبت أنه المرض الأشد قسوة وخطورة في تاريخ الإنسانية.



