لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ شهر عبادة وروحانية فحسب، بل كان أيضًا مسرحًا لأحداث ومعارك مفصلية غيّرت مسار العالم الإسلامي وأثّرت في مجريات التاريخ الإنساني، ظل رمضان شاهدًا على قرارات مصيرية لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتاج تخطيط وتحضير طويلين، أنتجا تحولات عميقة في مسار التاريخ الإسلامي، هكذا ارتبط رمضان بمحطات صنعت تحولات عسكرية وسياسية وحضارية عميقة، مع ملاحظة أن بعض الأيام شهدت أحداثًا مؤكَّدة بيومها، وأخرى ارتبطت بأحداث وقعت في رمضان دون تحديدٍ قاطع لليوم.
ومن أهم تلك الأحداث،هو ما حدث يوم 28 رمضان، حيث تبرز معركة وادي لكة التي وقعت سنة 92هـ، وكذلك وفاة السيدة الجليلة نفيسة بنت الحسن، إحدى أعلام الزهد والعلم في تاريخ الإسلام.
في مطلع القرن الثامن الميلادي، اتجهت أنظار المسلمين نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث كانت مملكة القوط الغربيين تعاني صراعات داخلية وضعفًا سياسيًا. وفي هذا السياق، عبر القائد المسلم طارق بن زياد المضيق إلى الأندلس عام 92هـ (711م) بأمر من والي إفريقية موسى بن نصير، فاتحًا بذلك صفحة جديدة في تاريخ الفتوحات الإسلامية.
وبعد نزوله إلى الساحل الجنوبي للأندلس، تقدم طارق بجيشه لمواجهة قوات الملك القوطي لذريق، والتقى الجيشان في موقع يعرف باسم وادي لكة جنوب الأندلس، اندلعت المعركة في رمضان سنة 92هـ، واستمرت عدة أيام اتسمت بشدة القتال وكثرة المناورات العسكرية.
ورغم الفارق العددي الكبير بين الجيشين، فقد تمكن المسلمون بفضل التنظيم الجيد والقيادة الحازمة من تحقيق انتصار حاسم. انتهت المعركة بهزيمة جيش لذريق ومقتله، وفق كثير من الروايات التاريخية، الأمر الذي فتح الطريق أمام المسلمين للتوغل في الأندلس والسيطرة على مدنها الكبرى مثل قرطبة وطليطلة.
وتعد هذه المعركة نقطة تحول كبيرة في تاريخ أوروبا الغربية، إذ مهدت الطريق لقيام الحضارة الإسلامية في الأندلس التي استمرت قرابة ثمانية قرون، وأسهمت في نقل العلوم والمعارف إلى أوروبا خلال العصور الوسطى.
وفي يوم 28 رمضان أيضا توفت السيدة نفيسة بنت الحسن، إحدى أشهر العالمات الزاهدات من نسل الحسن بن علي حفيد النبي محمد، حيث وُلدت السيدة نفيسة في مكة سنة 145هـ، ونشأت في بيت علم وعبادة، فحفظت القرآن ودرست الحديث والفقه حتى أصبحت من أعلام العلم في عصرها.
انتقلت السيدة نفيسة لاحقًا إلى القاهرة، حيث استقرت هناك وأصبحت مقصدًا للطلاب والعلماء، وكان مجلسها العلمي مقصدًا لطلاب المعرفة، وقد عُرفت بعبادتها وزهدها الشديد، حتى لُقبت بـ"نفيسة العلم".
ومن أشهر من تتلمذ عليها الإمام محمد بن إدريس الشافعي، أحد كبار أئمة الفقه الإسلامي، والذي كان يجلّها ويقدّر علمها. ويُروى أنه أوصى أن يُصلّى عليه في بيتها عند وفاته تقديرًا لمكانتها العلمية والروحية، وتوفيت السيدة نفيسة في القاهرة سنة 208هـ بعد حياة حافلة بالعلم والعبادة وخدمة الناس، ولا يزال مسجدها ومقامها في مصر مقصدًا للزائرين ومحبي آل البيت حتى اليوم.الإمام الشافعي




