لم يكن شهر رمضان عبر التاريخ شهر عبادة وروحانية فحسب، بل كان أيضًا مسرحًا لأحداث ومعارك مفصلية غيّرت مسار العالم الإسلامي وأثّرت في مجريات التاريخ الإنساني، ظل رمضان شاهدًا على قرارات مصيرية لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتاج تخطيط وتحضير طويلين، أنتجا تحولات عميقة في مسار التاريخ الإسلامي، هكذا ارتبط رمضان بمحطات صنعت تحولات عسكرية وسياسية وحضارية عميقة، مع ملاحظة أن بعض الأيام شهدت أحداثًا مؤكَّدة بيومها، وأخرى ارتبطت بأحداث وقعت في رمضان دون تحديدٍ قاطع لليوم.
ومن أهم تلك الأحداث،هو ما حدث يوم 21 رمضان حيث شهد التاريخ الإسلامي حدثًا سياسيًا بارزًا تمثل في مبايعة الحسن بن علي بالخلافة في الكوفة عقب استشهاد والده الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وهو الحدث الذي مثّل مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ الدولة الإسلامية في أعقاب سنوات من الاضطرابات السياسية والصراعات الداخلية.
فبعد إصابة علي بن أبي طالب بضربة سيف مسموم على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم أثناء خروجه لصلاة الفجر في مسجد الكوفة يوم 19 رمضان، ظل يعاني من جراحه حتى توفي متأثرًا بها في 21 رمضان سنة 40هـ، وقد شكّل رحيله لحظة حاسمة في تاريخ الخلافة الراشدة، إذ سارعت القيادات والوجهاء في الكوفة إلى اختيار خليفة جديد للمسلمين يضمن استقرار الدولة ويمنع تفاقم الصراعات.
اجتمع أهل الكوفة وبايعوا الحسن بن علي بالخلافة، لما كان يتمتع به من مكانة رفيعة بين المسلمين، فهو سبط النبي محمد وابن ابنته فاطمة الزهراء، كما عُرف عنه العلم والحلم والورع، وقد قبل الحسن البيعة في ظروف سياسية معقدة، إذ كانت الدولة الإسلامية تعيش حالة من الانقسام نتيجة النزاع القائم بين أنصار علي بن أبي طالب وأنصار معاوية بن أبي سفيان والي الشام آنذاك.
ومع تولي الحسن بن علي الخلافة، حاول العمل على تهدئة الأوضاع وحقن دماء المسلمين، خاصة أن البلاد كانت قد أنهكتها الصراعات التي أعقبت معركة صفين وما تبعها من أحداث، وبعد أشهر من توليه الحكم، اختار الحسن طريق الصلح مع معاوية بن أبي سفيان، فتنازل له عن الخلافة سنة 41هـ فيما عُرف في التاريخ الإسلامي باسم عام الجماعة، وهو الاتفاق الذي أدى إلى توحيد الدولة الإسلامية تحت قيادة واحدة وإنهاء مرحلة الفتنة الكبرى.
وفي حقبة تاريخية مختلفة، شهدت مصر حدثًا سياسيًا مهمًا في العصر الفاطمي، حين تولى المعز لدين الله الفاطمي مقاليد الحكم، وهو الخليفة الذي لعب دورًا مهما في نقل مركز الدولة الفاطمية من شمال أفريقيا إلى مصر، فقد كان المعز أحد أبرز خلفاء الدولة الفاطمية، وتمكن في عهده القائد الشهير جوهر الصقلي من فتح مصرسنة 969م وتأسيس مدينة القاهرة لتكون عاصمة جديدة للدولة.
وقد مثّل حكم المعز لدين الله مرحلة ازدهار سياسي وإداري في مصر، حيث جرى تنظيم شؤون الدولة وتثبيت الحكم الفاطمي في البلاد، إضافة إلى تطوير مؤسسات الحكم وتعزيز النفوذ الفاطمي في المشرق الإسلامي، كما ارتبط عهده بتأسيس عدد من المعالم الحضارية والدينية، أبرزها الجامع الأزهر الذي أصبح لاحقًا أحد أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي.




